شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص267

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وإنكم للقرابة التي أمر الله أن يؤتى حقهم. قال: نعم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية. قال:

والقربى قربى بني عبد المطلب.

وأقول: ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص، ولا دل على ذلك دليل، ومعنى النظم القرآني واضح إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة، لأن معناه أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم، وهو الصلة التي أمر الله بها. وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان على وجه التعريض لأمته فالأمر فيه كالأول، وإن كان خطابا له من دون تعريض، فأمته أسوته، فالأمر له صلى الله عليه وسلم بإيتاء ذي القربى حقه أمر لكل فرد من أفراد أمته، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل ما قبل هذه الآية، وهي قوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وما بعدها، وهي قوله: ولا تبذر تبذيرا- إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.

وفي معنى هذه الآية الدالة على وجوب صلة الرحم أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، عن أنس «أن رجلا قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ قال: تخرج الزكاة المفروضة، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقاربك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين، فقال: يا رسول الله أقلل لي؟ قال: فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا. قال: حسبي يا رسول الله» . وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية وآت ذا القربى حقه دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت وآت ذا القربى حقه أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فدك. قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أبي سعيد هذا ما لفظه: وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ انتهى. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود في قوله: ولا تبذر تبذيرا قال:

التبذير: إنفاق المال في غير حقه. وأخرج ابن جرير عنه قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب، وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: إن المبذرين قال: هم الذين ينفقون المال في غير حقه. وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: فقل لهم قولا ميسورا قال: العدة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سيار أبي الحكم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بر من العراق، وكان معطاء كريما، فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوما من العرب، فقالوا: إنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم نسأله، فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك قال: محبوسة ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما يلومك الناس محسورا ليس بيدك شيء.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية