شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص32

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

المذكور لك من كلامنا، وقيل: إن كل واحد منهما قال له ذلك عقب قص رؤياه عليه، فيكون الضمير راجعا إلى ما رآه كل واحد منهما وقيل: إن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة، والتقدير بتأويل ذلك إنا نراك من المحسنين أي من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، وكذا قال الفراء: إن معنى من المحسنين من العالمين الذين أحسنوا العلم. وقال ابن إسحاق: من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك أو من المحسنين إلى أهل السجن، فقد روي أنه كان كذلك، وجملة قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى ذلك أنه يعلم شيئا من الغيب، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلا أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما، وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بيانا لعلو مرتبته في العلم، وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين، فهو كقول عيسى عليه السلام: وأنبئكم بما تأكلون «1» وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر ومعنى ترزقانه:

يجري عليهما من جهة الملك أو غيره، والجملة صفة الطعام، أو يرزقكما الله سبحانه، والاستثناء بقوله:

إلا نبأتكما بتأويله مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما، أي: بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما، وسماه تأويلا بطريق المشاكلة، لأن الكلام في تأويل الرؤيا، أو المعنى: إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبر كما به للواقع، والإشارة بقوله:

ذلكما إلى التأويل، والخطاب للسائلين له عن تعبير رؤياهما مما علمني ربي بما أوحاه إلي وألهمني إياه لا من قبيل الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ترك الملة التي لا يؤمن أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهو كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله، والمراد بالترك هو عدم التلبس بذلك من الأصل، لا أنه قد كان تلبس به، ثم تركه كما يدل عليه قوله: ما كان لنا أن نشرك بالله ثم وصف هؤلاء القوم بما يدل على تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه. فقال: وهم بالآخرة هم كافرون أي: هم مختصون بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله. وقوله: واتبعت معطوف على تركت، ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسماهم آباء جميعا لأن الأجداد آباء، وقدم الجد الأعلى، ثم الجد الأقرب ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة التي كان عليها أولاده، ثم تلقاها عنه إسحاق ثم يعقوب، وهذا منه عليه السلام لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله ما كان لنا أن نشرك بالله أي ما صح لنا ذلك فضلا عن وقوعه، والضمير في لنا له وللأنبياء المذكورين، والإشارة بقوله: ذلك إلى الإيمان المفهوم من قوله ما كان لنا أن نشرك بالله، ومن فضل الله علينا خبر اسم الإشارة، أي: ناشئ من تفضلات الله علينا ولطفه بنا بما جعله لنا من النبوة المتضمنة للعصمة عن معاصيه، ومن فضل الله على الناس كافة ببعثة الأنبياء إليهم، وهدايتهم إلى ربهم، وتبيين

الصفحة السابقة الصفحة التالية