شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص298

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

والشافعي في حال الضرورة، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعيين أوقات الصلوات، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة، فلا نطيل بذكر ذلك. قوله: وقرآن الفجر انتصاب قرآن لكونه معطوفا على الصلاة أي: وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء. وقال الزجاج والبصريون:

انتصابه على الإغراء، أي: فعليك قرآن الفجر. قال المفسرون: المراد بقرآن الفجر صلاة الصبح. قال الزجاج: وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وفي بعض الأحاديث: الخارجة من مخرج حسن وقرآن معها، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، وقد حررته في مؤلفاتي تحريرا مجودا. ثم علل سبحانه ذلك بقوله: إن قرآن الفجر كان مشهودا أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين ومن الليل فتهجد به نافلة لك من للتبعيض، وانتصابه على الظرفية بمضمر، أي: قم بعض الليل فتهجد به، والضمير المجرور راجع إلى القرآن، وما قيل من أنه منتصب على الإغراء، والتقدير: عليك بعض الليل فبعيد جدا، والتهجد مأخوذ من الهجود. قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هو من الأضداد لأنه يقال هجد الرجل: إذا نام، وهجد إذا سهر، فمن استعماله في السهر قول الشاعر:

ألا زارت وأهل منى هجود ... فليت خيالها بمنى يعود

يعني منتبهين، ومن استعماله في النوم قول الآخر:

ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات «1» النوال تجود

يعني نياما. وقال الأزهري: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن جاء التفعل فيه لأجل التجنب، ومنه تأثم تتحرج أي: تجنب الإثم والحرج، فالمتهجد من تجنب الهجود، فقام بالليل. وروي عن الأزهري أيضا أنه قال: المتهجد القائم إلى الصلاة من النوم، هكذا حكى عنه الواحدي، فقيد التهجد بالقيام من النوم، وهكذا قال مجاهد وعلقمة والأسود فقالوا: التهجد بعد النوم. قال الليث: تهجد إذا استيقظ للصلاة نافلة لك معنى النافلة في اللغة الزيادة على الأصل، فالمعنى أنها للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة زائدة على الفرائض، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن التصريح بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر وقيل: المراد بالنافلة هنا أنها فريضة زائدة على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وسلم، ويدفع ذلك التصريح بلفظ النافلة وقيل: كانت صلاة الليل فريضة في حقه صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا، وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث أنها عليه فريضة، ولأمته تطوع. قال الواحدي: إن صلاة الليل كانت زيادة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لرفع الدرجات، لا للكفارات، لأنه غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفارتها، قال: وهو قول جميع المفسرين. والحاصل أن الخطاب في هذه الآية وإن كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: أقم الصلاة

الصفحة السابقة الصفحة التالية