شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 3

الشوكاني • التفسير • ج3 ص306

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وأبي سفيان والنضر بن الحارث، ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها فقالوا: حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا قرأ حمزة والكسائي وعاصم «حتى تفجر» مخففا مثل تقتل. وقرأ الباقون بالتشديد، ولم يختلفوا في فتفجر الأنهار أنها مشددة، ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع. وأجيب عنه بأن الينبوع وإن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الجمع، فإن الينبوع العيون التي لا تنضب.

ويرد بأن الينبوع عين الماء والجمع الينابيع، وإنما يقال للعين ينبوع إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء أو تكون لك جنة أي: بستان تستر أشجاره أرضه.

والمعنى: هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار أي: تجريها بقوة خلالها تفجيرا أي: وسطها تفجيرا كثيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا قرأ مجاهد أو تسقط مسندا إلى السماء. وقرأ من عداه أو تسقط على الخطاب، أي: أو تسقط أنت يا محمد السماء. والكسف بفتح السين جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم، والكسفة: القطعة. وقرأ الباقون كسفا بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ بإسكان السين جعله واحدا ومن قرأ بفتحها جعله جمعا. قال المهدوي: ويجوز أن يكون على قراءة السكون جمع كسفة، ويجوز أن يكون مصدرا. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف وكسف، ويقال: الكسف والكسفة واحد، وانتصاب كسفا على الحال، والكاف في كما زعمت في محل نصب على أنه صفة مصدر محذوف، أي: إسقاطا مماثلا لما زعمت، يعنون بذلك قول الله سبحانه:

إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء «1» . قال أبو علي: الكسف: بالسكون الشيء المقطوع، كالطحن للمطحون، واشتقاقه على ما قال أبو زيد من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته، كأنه قيل: أو تسقطها طبقا علينا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا.

اختلف المفسرون في معنى قبيلا فقيل: معناه: معاينة، قاله قتادة وابن جريج، واختاره أبو علي الفارسي فقال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنكير والنذير. وقيل: معناه كفيلا، قاله الضحاك، وقيل: شهيدا، قاله مقاتل، وقيل: هو جمع القبيلة، أي: تأتي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، قاله مجاهد وعطاء، وقيل: ضمنا، وقيل: مقابلا كالعشير والمعاشر أو يكون لك بيت من زخرف أي: من ذهب، وبه قرأ ابن مسعود، وأصله الزينة، والمزخرف: المزين، وزخارف الماء: طرائقه. وقال الزجاج:

هو الزينة، فرجع إلى الأصل معنى الزخرف، وهو بعيد لأنه يصير المعنى: أو يكون لك بيت من زينة أو ترقى في السماء أي: تصعد في معارجها، يقال: رقيت في السلم إذا صعدت وارتقيت مثله. ولن نؤمن لرقيك أي: لأجل رقيك، وهو مصدر نحو مضى يمضي مضيا وهوى يهوي هويا حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه أي حتى تنزل علينا من السماء كتابا يصدقك ويدل على نبوتك نقرؤه جميعا، أو يقرؤه

الصفحة السابقة الصفحة التالية