فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص330
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
فيهم
المراء في اللغة الجدال: يقال مارى يماري مماراة ومراء، أي: جادل، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهرا واضحا فقال: إلا مراء ظاهرا أي: غير متعمق فيه وهو أن يقص عليهم ما أوحى الله إليه فحسب. وقال الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال: ولا تستفت فيهم منهم أحدا أي:
لا تستفت في شأنهم من الخائضين فيهم أحدا منهم، لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي، وهاهنا الأمر بالعكس، ولا سيما في واقعة أهل الكهف، وفيما قص الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا أي: لأجل شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، فيدخل فيه الغد دخولا أوليا. قال الواحدي: قال المفسرون لما سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن خبر الفتية فقال: أخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول: إذا قلت لشيء إني فاعل ذلك غدا، فقل إن شاء الله. وقال الأخفش والمبرد والكسائي والفراء: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله، فأضمر القول ولما حذف تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، قيل: وهذا الاستثناء مفرغ، أي: لا تقولن ذلك في حال من الأحوال، إلا حال ملابسته لمشيئة الله وهو أن تقول إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله مطلقا وقيل: الاستثناء جار مجرى التأبيد، كأنه قيل: لا تقولنه أبدا كقوله: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله «1» لأن عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله واذكر ربك إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله أي: فقل إن شاء الله، سواء كانت المدة قليلة أو كثيرة.
وقد اختلف أهل العلم في المدة التي يجوز إلحاق الاستثناء فيها بعد المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها، وقيل: المعنى واذكر ربك بالاستغفار إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا المشار إليه بقوله من هذا هو نبأ أصحاب الكهف، أي: قل يا محمد عسى أن يوفقني ربي لشيء أقرب من هذا النبأ من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي. قال الزجاج: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة، وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف وقيل: الإشارة إلى قوله: واذكر ربك إذا نسيت أي: عسى أن يهديني ربي عند هذا النسيان لشيء آخر بدل هذا المنسي، وأقرب منه رشدا وأدنى منه خيرا ومنفعة، والأول أولى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قرأ الجمهور بتنوين مائة ونصب سنين، فيكون سنين على هذه القراءة بدلا أو عطف بيان. وقال الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي: فيه تقديم وتأخير، والتقدير سنين ثلاثمائة. ورجح الأول أبو علي الفارسي. وقرأ حمزة والكسائي بإضافة مائة إلى سنين، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزا على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله تعالى: بالأخسرين أعمالا «2» . قال الفراء: ومن العرب من يضع