فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص370
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
بالحذف. قال ابن السكيت: يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع. وبالتخفيف قرأ الجمهور، وقرأ حمزة وحده فما اسطاعوا بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا فأدغم التاء في الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي الفارسي: هي غير جائزة. وقرأ الأعمش فما استطاعوا على الأصل، ومعنى أن يظهروه أن يعلوه أي فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته وما استطاعوا له نقبا يقال نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا فخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته قال هذا رحمة من ربي أي قال ذو القرنين مشيرا إلى السد: هذا السد رحمة من ربي، أي: أثر من آثار رحمته لهؤلاء المتجاوزين للسد ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم لو لم يكن ذلك السد وقيل: الإشارة إلى التمكين من بنائه فإذا جاء وعد ربي أي: أجل ربي أن يخرجوا منه، وقيل: هو مصدر بمعنى المفعول، وهو يوم القيامة جعله دكاء أي: مستويا بالأرض، ومنه قوله: كلا إذا دكت الأرض دكا «1» . قال الترمذي: أي:
مستويا، يقال ناقة دكاء: إذا ذهب سنامها. وقال القتبي: أي: جعله مدكوكا ملصقا بالأرض. وقال الحليمي: قطعا متكسرا. قال الشاعر:
هل غير غاد دك غارا فانهدم قال الأزهري: دككته، أي: دققته. ومن قرأ دكاء بالمد وهو عاصم وحمزة والكسائي أراد التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، أي: مثل دكاء لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء. وقرأ الباقون دكا بالتنوين على أنه مصدر، ومعناه ما تقدم، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الحال، أي: مدكوكا وكان وعد ربي حقا أي: وعده بالثواب والعقاب، أو الوعد المعهود حقا ثابتا لا يتخلف، وهذا آخر قول ذي القرنين.
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: حتى إذا بلغ بين السدين قال: الجبلين أرمينية وأذربيجان. وأخرج أيضا عن ابن جريج لا يكادون يفقهون قولا قال: الترك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: يأجوج ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم:
تاويل، وتاريس، ومنسك» . وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أوس عن أبيه مرفوعا: «أنه لا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا» . وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: