فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص42
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
امرأة العزيز والمعنى: ذلك القول الذي قلته في تنزيهه، والإقرار على نفسي بالمراودة ليعلم يوسف أني لم أخنه فأنسب إليه ما لم يكن منه وهو غائب عني، أو وأنا غائبة عنه وأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا يثبته ويسدده، أو لا يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له تأثير يثبت به ويدوم، وإذا كان من قول يوسف ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منها الكيد له والخيانة لزوجها، وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته وما أبرئ نفسي إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس، وعدم التزكية بها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه بريء، وظهر ذلك ظهور الشمس، وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة لأنها قد أقرت بالذنب، واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف. وقد قيل: إن هذا من قول العزيز، وهو بعيد جدا ومعناه: وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف، والمساعدة على حبسه بعد أن علمت ببراءته إن النفس لأمارة بالسوء أي إن هذا الجنس من الأنفس البشرية شأنه الأمر بالسوء لميله إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها، وكفها عن ذلك إلا ما رحم ربي أي إلا من رحم من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء، أو إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها، وقيل:
الاستثناء منقطع والمعنى: لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة بالسوء، وجملة إن ربي غفور رحيم تعليل لما قبلها، أي: إن من شأنه كثرة المغفرة لعباده والرحمة لهم. قوله: وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدم ومعنى أستخلصه لنفسي:
أجعله خالصا لي دون غيري، وقد كان قبل ذلك خالصا للعزيز، والاستخلاص: طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة، قال ذلك لما كان يوسف نفيسا، وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم فلما كلمه في الكلام حذف، وتقديره فأتوه به فلما كلمه، أي: فلما كلم الملك يوسف، ويحتمل أن يكون المعنى: فلما كلم يوسف الملك. قيل: والأول أولى لأن مجالس الملوك لا يتكلم فيها ابتداء إلا هم دون من يدخل عليهم وقيل: الثاني أولى لقول الملك قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف في مقام الملك جاء بما حببه إلى الملك، وقربه من قلبه، فقال له هذه المقالة، ومعنى مكين: ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك ويأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك. قيل: إنه لما وصل إلى الملك أجلسه على سريره، وقال له: إني أحب أن أسمع منك تعبير رؤياي، فعبرها له بأكمل بيان وأتم عبارة، فلما سمع الملك منه ذلك قال له: إنك اليوم لدينا مكين أمين فلما سمع يوسف منه ذلك قال اجعلني على خزائن الأرض أي ولني أمر الأرض التي أمرها إليك وهي أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض، وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال، طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ويتوصل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأوثان، وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي
#