فتح القدير — ج 3
الشوكاني • التفسير • ج3 ص90
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
قال الزجاج: والمعنى أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقا، ترى أنه تعالى خالق كل شيء وهو غير مخلوق وهو الواحد أي المتفرد بالربوبية القهار لما عداه، فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب، ثم ضرب سبحانه مثلا آخر للحق وذويه، وللباطل ومنتحليه فقال: أنزل من السماء ماء أي من جهتها والتنكير للتكثير أو للنوعية فسالت أودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلا جمع على أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل فجمع على أفعلة مثل جريب وأجربة، كما أن فعيلا حمل على فاعل، فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف، كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر قال: وفي قوله: فسالت أودية توسع، أي: سال ماؤها، قال: ومعنى بقدرها بقدر مائها لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. قال الواحدي: والقدر مبلغ الشيء، والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر، وقال في الكشاف: بقدرها بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضار. قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين فاحتمل السيل زبدا رابيا الزبد: هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل، ويقال له الغثاء والرغوة، والرابي: العالي المرتفع فوق الماء. قال الزجاج: هو الطافي فوق الماء، وقال غيره: هو الزائد بسبب انتفاخه، من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل. وقد تم المثل الأول، ثم شرع سبحانه في ذكر المثل الثاني فقال: ومما يوقدون عليه في النار من لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء، أو للتبعيض بمعنى: وبعضه زبد مثله، والضمير للناس، أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره، هذا على قراءة يوقدون بالتحتية، وبها قرأ حميد وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وحفص. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. والمعنى: ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام المنطرقة الذائبة ابتغاء حلية أي لطلب اتخاذ حلية تتزينون بها وتتجملون كالذهب والفضة أو متاع أي: أو طلب متاع تتمتعون به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص زبد مثله المراد بالزبد هنا الخبث فإنه يعلو فوق ما أذنب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد على الماء، فالضمير في مثله يعود إلى زبدا رابيا وارتفاع زبد على الابتداء وخبره مما يوقدون كذلك يضرب الله الحق والباطل أي مثل ذلك الضرب البديع يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل، ثم شرع في تقسيم المثل فقال: فأما الزبد فيذهب جفاء يقال: جفأ الوادي بالهمز جفاء إذا رمى بالقذر والزبد. قال الفراء: الجفاء: الرمي، يقال: جفأ الوادي غثاء جفاء: إذا رمى به، والجفاء بمنزلة الغثاء.
وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ جفالا. قال أبو عبيدة: يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر. واعلم أن وجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المنطرقة
#