شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص104

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

مروا بذوي اللغو، يقال: فلان يكرم عما يشينه، أي: يتنزه ويكرم نفسه عن الدخول في اللغو والاختلاط بأهله والذين إذا ذكروا بآيات ربهم أي: بالقرآن، أو بما فيه موعظة وعبرة لم يخروا عليها صما وعميانا أي: لم يقعوا عليها حال كونهم صما وعميانا، ولكنهم أكبوا عليها سامعين مبصرين، وانتفعوا بها. قال ابن قتيبة: المعنى لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها. قال ابن جرير:

ليس ثم خرور، بل كما يقال قعد يبكي، وإن كان غير قاعد. قال ابن عطية: كأن المستمع للذكر قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خرورا، وهو السقوط على غير نظام. قيل المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم، فخروا سجدا وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا. قال الفراء: أي لم يقعدوا على حالهم الأول، كأن لم يسمعوا. قال في الكشاف: ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين من:

ابتدائية، أو بيانية. قرأ نافع وابن كثير وابن عباس والحسن وذرياتنا بالجمع وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى «وذريتنا» بالإفراد، والذرية: تقع على الجمع، كما في قوله: ذرية ضعافا «1» وتقع على الفرد كما في قوله: ذرية طيبة، وانتصاب قرة أعين على المفعولية، يقال: قرت عينه قرة. قال الزجاج: يقال أقر الله عينك، أي: صادف فؤادك ما يحبه. وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال: أحدها:

برد دمعها، لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حره دليل الحزن والغم. والثاني: نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر، وذهاب الحزن. والثالث: حصول الرضا. واجعلنا للمتقين إماما أي: قدوة يقتدى بنا في الخير، وإنما قال: إماما، ولم يقل أئمة، لأنه أريد به الجنس. كقوله: ثم نخرجكم طفلا «2» قال الفراء: قال إماما، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين نا رسول رب العالمين

«3» يعني: أنه من الواحد الذي أريد به الجمع. وقال الأخفش: الإمام جمع أم من أم يؤم جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام.

وقيل: إن إماما مصدر، يقال: أم فلان فلانا إماما، مثل الصيام والقيام. وقيل أرادوا: اجعل كل واحد منا إماما، وقيل أرادوا: اجعلنا إماما واحدا لاتحاد كلمتنا، وقيل: إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى:

واجعل المتقين لنا إماما، وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد، وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماما، ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز كقوله: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا «4» وفي هذا إبقاء إماما على حاله، ومثل ما في الآية قول الشاعر:

يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي ... إن العواذل ليس لي بأمين

أي: أمناء. قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد، كأنه قيل: اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة، يقال: هؤلاء بينة فلان. قال النيسابوري: قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية

الصفحة السابقة الصفحة التالية