فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص133
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
لم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء قبله، لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا، لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف، وقد تقدم تفسير قوله: إني لكم رسول أمين إلى قوله تعالى: إلا على رب العالمين في هذه السورة. قوله: أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين أي أتموا الكيل لمن أراده وعامل به، ولا تكونوا من المخسرين: الناقصين للكيل والوزن، يقال أخسرت الكيل والوزن: أي نقصته، ومنه قوله تعالى: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون «1» ثم زاد سبحانه في البيان فقال: وزنوا بالقسطاس المستقيم أي: أعطوا الحق بالميزان السوي، وقد مر بيان تفسير هذا في سورة سبحان، وقد قرئ «بالقسطاس» مضموما ومكسورا ولا تبخسوا الناس أشياءهم البخس: النقص، يقال بخسه حقه: إذا نقصه، أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم، وهذا تعميم بعد التخصيص، وقد تقدم تفسيره في سورة هود، وتقدم أيضا تفسير ولا تعثوا في الأرض مفسدين فيها، وفي غيرها. واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين قرأ الجمهور بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد اللام، وقرأ السلمي بفتح الجيم مع سكون الباء، والجبلة: الخليقة، قاله مجاهد وغيره، يعني: الأمم المتقدمة، يقال: جبل فلان على كذا، أي: خلق.
قال النحاس: الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين، وبضمهما مع تشديد اللام فيهما، وبضم الجيم وسكون الباء، وضمه وفتحها، قال الهروي: الجبلة والجبلة والجبل والجبل لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى: جبلا كثيرا أي: خلقا كثيرا، ومن ذلك قول الشاعر:
والموت أعظم حادث ... فيما يمر على الجبلة
قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا قد تقدم تفسيره مستوفى في هذه السورة وإن نظنك لمن الكاذبين إن: هي المخففة من الثقيلة، عملت في ضمير شأن مقدر، واللام: هي الفارقة، أي: فيما تدعيه علينا من الرسالة، وقيل: هي النافية، واللام: بمعنى إلا، أي: ما نظنك إلا من الكاذبين، والأول: أولى فأسقط علينا كسفا من السماء كان شعيب يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا، فقالوا له هذا القول عنتا واستبعادا وتعجيزا. والكسف: القطعة. قال أبو عبيدة: الكسف: جمع كسفة، مثل سدر وسدرة. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان إن كنت من الصادقين في دعواك قال ربي أعلم بما تعملون من الشرك والمعاصي، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، وفي هذا تهديد شديد فكذبوه فاستمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك فأخذهم عذاب يوم الظلة والظلة: السحاب، أقامها الله فوق رؤسهم، فأمطرت عليهم نارا فهلكوا، وقد أصابهم الله بما اقترحوا، لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، وإن أرادوا بها القطعة من السماء، فقد نزل عليهم العذاب من جهتها، وأضاف العذاب إلى يوم الظلة، لا إلى الظلة تنبيها على أن لهم في ذلك اليوم عذابا غير عذاب الظلة، كذا قيل. ثم وصف سبحانه