شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص137

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

أي: مثل ذلك السلك سلكناه، أي: أدخلناه في قلوبهم، يعني: القرآن حتى فهموا معانيه، وعرفوا فصاحته، وأنه معجز. وقال الحسن وغيره: سلكنا الشرك، والتكذيب، في قلوب المجرمين. وقال عكرمة: سلكناه القسوة. والأول: أولى، لأن السياق في القرآن وجملة لا يؤمنون تحتمل على وجهين:

الأول: الاستئناف على جهة البيان، والإيضاح لما قبلها، والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير في سلكناه، ويجوز أن يكون حالا من المجرمين. وأجاز الفراء الجزم في لا يؤمنون، لأنه فيه معنى الشرط والمجازاة، وزعم أن من شأن العرب، إذا وضعت لا موضع كيلا مثل هذا ربما جزمت ما بعدها، وربما رفعت، فتقول ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع، والجزم، لأن معناه: إن لم أربطه ينفلت، وأنشد لبعض بني عقيل:

وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكنة لا يقرف الشر قارف

بالرفع، ومن الجزم قول الآخر:

لطالما حلأتماها لا ترد ... فخلياها والسجال تبترد «1»

قال النحاس: وهذا كله في لا يؤمنون، خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم حتى يروا العذاب الأليم أي: لا يؤمنون إلى هذه الغاية، وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم فيأتيهم بغتة أي: فجأة «و» الحال أنهم لا يشعرون بإتيانه، وقرأ الحسن فتأتيهم بالفوقية، أي: الساعة، وإن لم يتقدم لها ذكر، لكنه قد دل العذاب عليها فيقولوا هل نحن منظرون أي: مؤخرون وممهلون. قالوا هذا تحسرا على ما فات من الإيمان، وتمنيا للرجعة إلى الدنيا، لاستدراك ما فرط منهم. وقيل: إن المراد بقولهم:

هل نحن منظرون الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله: أفبعذابنا يستعجلون ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر، فإن معنى هل نحن منظرون طلب النظرة والإمهال، وأما قوله: أفبعذابنا يستعجلون فالمراد به الرد عليهم، والإنكار لما وقع منهم من قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم «2» وقولهم: فأتنا بما تعدنا «3» أفرأيت إن متعناهم سنين الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام، كما مر في غير موضع، ومعنى أرأيت: أخبرني، والخطاب لكل من يصلح له، أي: أخبرني إن متعناهم سنين في الدنيا متطاولة، وطولنا لهم الأعمار ثم جاءهم ما كانوا يوعدون من العذاب والهلاك ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ما: هي الاستفهامية، والمعنى: أي: شيء أغنى عنهم، كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل، و «ما» في ما كانوا يمتعون يجوز أن تكون المصدرية، ويجوز أن تكون الموصولة، والاستفهام للإنكار التقريري، ويجوز أن تكون ما الأولى نافية، والمفعول محذوف، أي: لم يغن عنهم تمتيعهم شيئا، وقرئ يمتعون بإسكان الميم، وتخفيف التاء من أمتع الله

الصفحة السابقة الصفحة التالية