فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص191
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
في محل رفع صفة لرجل، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال، لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله: من أقصى المدينة قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك أي: يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك. قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك. وقال أبو عبيد: يتشاورون فيك ليقتلوك: يعني أشراف قوم فرعون. قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا: أي أمر بعضهم بعضا، نظيره قوله: وأتمروا بينكم بمعروف «1» قال النمر بن تولب:
أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر
فاخرج إني لك من الناصحين في الأمر بالخروج، واللام للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه فخرج منها خائفا يترقب فخرج موسى من المدينة حال كونه خائفا من الظالمين مترقبا لحوقهم به، وإدراكهم له، ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه قائلا: رب نجني من القوم الظالمين أي: خلصني من القوم الكافرين، وادفعهم عني، وحل بين وبينهم ولما توجه تلقاء مدين أي: نحو مدين قاصدا لها.
قال الزجاج: أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين فيها، انتهى. يقال: دار تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء، ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا خرج إليها قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي: يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين ولما ورد ماء مدين أي: وصل إليه، وهو الماء الذي يستقون منه وجد عليه أمة من الناس يسقون أي: وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد، وقد يطلق على البلوغ إليه، وإن لم يدخل فيه، وهو المراد هنا، ومنه قول زهير:
فلما وردنا الماء زرقا حمامه «2»
وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله: وإن منكم إلا واردها «3» وقيل: مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا التقديرين ووجد من دونهم أي: من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها، وقيل: معناه: في موضع أسفل منهم امرأتين تذودان أي: تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس ويخلو بينهما وبين الماء، ومعنى الذود: الدفع والحبس، ومنه قول الشاعر:
أبيت على باب القوافي كأنما ... أذود سربا من الوحش نزعا
أي: أحبس وأمنع، وورد الذود: بمعنى الطرد، ومنه قول الشاعر:
لقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأي عصى تذود