شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص195

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وصوله إلى ماء مدين قال شعيب لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي: فرعون وأصحابه، لأن فرعون لا سلطان له على مدين، وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عز وجل، والجواب عليها يظهر للمقصر فضلا عن الكامل، وأشف ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي. ويجاب عنه بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبي من أنبياء الله، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدم إليه الطعام قال:

إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا قالت إحداهما يا أبت استأجره القائلة هي التي جاءته، أي: استأجره ليرعى لنا الغنم، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة. وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه عن سماع أدلتها أصم، وجملة إن خير من استأجرت القوي الأمين تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى، أي: إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي: القوة، والأمانة. وقد تقدم في المروي عن ابن عباس وعمر أن أباها سألها عن وصفها له بالقوة والأمانة، فأجابته بما تقدم قريبا قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، والقصة معروفة، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تأجرني ثماني حجج أي: على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين. قال الفراء:

يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين، ومحل على أن تأجرني النصب على الحال، وهو مضارع أجرته، ومفعوله الثاني: محذوف، أي: نفسك وثماني حجج ظرف. قال المبرد: يقال:

أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا والأول أكثر فإن أتممت عشرا فمن عندك أي: إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين فمن عندك، أي: تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام، موكولا إلى المروءة، ومحل فمن عندك الرفع على تقدير مبتدأ، أي: فهي من عندك وما أريد أن أشق عليك بإلزامك إتمام العشرة الأعوام، واشتقاق المشقة من الشق، أي: شق ظنه نصفين، فتارة يقول: أطيق، وتارة يقول: لا أطيق. ثم رغبه في قبول الإجارة فقال:

ستجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن الصحبة والوفاء، وقيل: أراد الصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أوليا، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته.

ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى ف قال ذلك بيني وبينك واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه، وجملة أيما الأجلين قضيت شرطية وجوابها فلا عدوان علي والمراد بالأجلين: الثمانية الأعوام، والعشرة الأعوام، ومعنى قضيت: وفيت به، وأتممته، والأجلين مخفوض بإضافة أي إليه، وما زائدة. وقال ابن كيسان: «ما» في موضع خفض بإضافة أي إليها، و «الأجلين» بدل منها، وقرأ الحسن (أيما) بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود (أي الأجلين ما قضيت) ومعنى فلا عدوان علي فلا ظلم علي بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين، أي: كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية