شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص206

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

بالقرآن كعبد الله بن سلام، وسائر من أسلم من أهل الكتاب، وقيل: الضمير في «من قبله» يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والأول أولى. والضمير في «به» راجع إلى القرآن على القول الأول، وإلى محمد على القول الثاني وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به أي: وإذا يتلى القرآن عليهم قالوا صدقنا به إنه الحق من ربنا أي: الحق الذي نعرفه المنزل من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أي: مخلصين لله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به، لما نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان، وينزل عليه القرآن، والإشارة بقوله: أولئك يؤتون أجرهم مرتين أي: الموصوفين بتلك الصفات، والباء في بما صبروا للسببية، أي: بسبب صبرهم، وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول، والكتاب الآخر، وبالنبي الأول، والنبي الآخر ويدرؤن بالحسنة السيئة الدرء: أي: يدفعون بالاحتمال، والكلام الحسن ما يلاقونه من الأذى.

وقيل: يدفعون بالطاعة المعصية، وقيل: بالتوبة والاستغفار من الذنوب، وقيل: بالتوبة والاستغفار من الذنوب، وقيل: بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك ومما رزقناهم ينفقون أي: ينفقون أموالهم في الطاعات، وفيما أمر به الشرع. ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو فقال: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه تكرما، وتنزها، وتأدبا بآداب الشرع، ومثله قوله سبحانه: وإذا مروا باللغو مروا كراما «1» ، واللغو هنا: هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم، ولدينهم، والاستهزاء بهم وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء، ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء سلام عليكم ليس المراد بهذا السلام سلام التحية، ولكن المراد به سلام المتاركة، ومعناه أمنة لكم، وسلامة لا نجاريكم، ولا نجاوبكم فيما أنتم فيه. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال لا نبتغي الجاهلين أي: لا نطلب صحبتهم. وقال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه. وقال الكلبي: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه إنك لا تهدي من أحببت من الناس، وليس ذلك إليك ولكن الله يهدي من يشاء هدايته وهو أعلم بالمهتدين أي: القابلين للهداية، المستعدين لها، وهذه الآية نزلت في أبي طالب كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وقد تقدم ذلك في براءة. قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولا أوليا وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أي: قال مشركو قريش ومن تابعهم: إن ندخل في دينك يا محمد نتخطف من أرضنا، أي: يتخطفنا العرب من أرضنا: يعنون مكة، ولا طاقة لنا بهم، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة، وتعللاتهم العاطلة، والتخطف في الأصل: هو الانتزاع بسرعة. قرأ الجمهور «نتخطف» بالجزم جوابا للشرط، وقرأ المنقري بالرفع على الاستئناف. ثم رد الله ذلك عليهم ردا مصدرا باستفهام التوبيخ، والتقريع فقال: أولم نمكن لهم حرما آمنا أي: ألم نجعل لهم حرما ذا أمن. قال أبو البقاء: عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل كما صرح بذلك في قوله: أولم يروا أنا جعلنا حرما «2» ، ثم وصف هذا الحرم بقوله: يجبى إليه ثمرات كل شيء أي: تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي

الصفحة السابقة الصفحة التالية