شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص211

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وصدق بما جاء به الرسل وأدى الفرائض واجتنب المعاصي فعسى أن يكون من المفلحين، أي: الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهو من الله واجب على ما هو عادة الكرام. وقيل:

إن الترجي هو من التائب المذكور، لا من جهة الله سبحانه وربك يخلق ما يشاء أي: يخلقه.

ويختار ما يشاء أن يختاره لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون «1» وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم، واختاروهم، أي: الاختيار إلى الله ما كان لهم الخيرة أي: التخير، وقيل: المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار، بل الاختيار هو إلى الله عز وجل. وقيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم «2» وقيل: هذه الآية جواب عن اليهود حيث قالوا لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به.

قال الزجاج: الوقف على «ويختار» تام على أن ما نافية. قال: ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب بيختار، والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف. وقال ابن جرير:

إن تقدير الآية: ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في غاية من الضعف. وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة، ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة. وهذا أيضا بعيد جدا. وقيل إن «ما» مصدرية، أي: يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي: ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير. والراجح أول هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة «3» والخيرة: التخير، كالطيرة فإنها التطير، اسمان يستعملان استعمال المصدر، ثم نزه سبحانه نفسه فقال: سبحان الله أي: تنزه تنزها خاصا به من غير أن ينازعه منازع، ويشاركه مشارك وتعالى عما يشركون أي: عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن إشراكهم وربك يعلم ما تكن صدورهم أي: تخفيه من الشرك، أو من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من جميع ما يخفونه مما يخالف الحق وما يعلنون أي: يظهرونه من ذلك. قرأ الجمهور «تكن» بضم التاء الفوقية وكسر الكاف. وقرأ ابن محيصن وحميد بفتح الفوقية، وضم الكاف. ثم تمدح سبحانه وتعالى بالوحدانية، والتفرد باستحقاق الحمد فقال: وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى أي: الدنيا والآخرة أي: الدار الآخرة وله الحكم يقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك وإليه ترجعون بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا ترجعون إلى غيره.

وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون قال: قال الله لم نهلك قرية بإيمان، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذبوا وظلموا فبذلك هلكوا. وأخرج مسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: يا بن آدم مرضت فلم تعدني» الحديث بطوله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال: «يحشر الناس

الصفحة السابقة الصفحة التالية