فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص242
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
[سورة العنكبوت (29) : الآيات 56 الى 69]
يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60)
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65)
ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)
لما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب، ومن المشركين، وجمعهم في الإنذار، وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المسلمين بكل وجه، فقال الله سبحانه يا عبادي الذين آمنوا
أضافهم إليه بعد خطابه لهم تشريفا وتكريما، والذين آمنوا صفة موضحة أو مميزة إن أرضي واسعة
إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، وفي مكايدة للكفار، فاخرجوا منها لتتيسر لكم عبادتي وحدي، وتتسهل عليكم. قال الزجاج: أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله، وكذلك يجب على من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته. وقال مطرف بن الشخير: المعنى إن رحمتي واسعة، ورزقي لكم واسع، فابتغوه في الأرض.
وقيل المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة، فاعبدون حتى أورثكموها. وانتصاب إياي بفعل مضمر، أي: فاعبدوا إياي. ثم خوفهم سبحانه بالموت ليهون عليهم أمر الهجرة فقال: كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون أي: كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت لا محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان، والخلان، ثم إلى الله المرجع بالموت، والبعث، لا إلى غيره، فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا في هذا الترغيب إلى الهجرة، وأن جزاء من هاجر، أن يكون في غرف الجنة، ومعنى «لنبوئنهم» لننزلنهم غرف الجنة، وهي علاليها، فانتصاب غرفا على أنه المفعول الثاني على تضمين نبوئنهم معنى: ننزلنهم، أو على الظرفية مع عدم التضمين، لأن نبوئنهم لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وإما منصوب بنزع الخافض اتساعا، أي:
في غرف الجنة، وهو مأخوذ من المباءة: وهي الإنزال. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والجحدري، وابن أبي
#