فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص252
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
في الجنة، وقيل: غير ذلك، والوجه ما ذكرناه وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بآياتنا كذبوا ب لقاء الآخرة أي: البعث، والجنة، والنار، والإشارة بقوله: فأولئك إلى المتصفين بهذه الصفات، وهو: مبتدأ، وخبره: في العذاب محضرون أي: مقيمون فيه، وقيل: مجموعون، وقيل: نازلون، وقيل: معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد: دوام عذابهم. ثم لما بين عاقبة طائفة المؤمنين، وطائفة الكافرين، أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، والخير العام فقال: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: فإذا علمتم ذلك فسبحوا الله، أي:
نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح، والمساء، وفي العشي، وفي وقت الظهيرة. وقيل: المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس، فقوله «حين تمسون» صلاة المغرب والعشاء، وقوله: «وحين تصبحون» صلاة الفجر، وقوله: «وعشيا» صلاة العصر، وقوله: «وحين تظهرون» صلاة الظهر، كذا قال الضحاك، وسعيد بن جبير، وغيرهما، قال الواحدي قال المفسرون: إن معنى «فسبحان الله» فصلوا لله. قال النحاس:
أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: حقيقته عندي: فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح يكون في الصلاة، وجملة وله الحمد في السماوات والأرض معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح، كما في قوله سبحانه:
فسبح بحمد ربك «1» وقوله: ونحن نسبح بحمدك «2» وقيل: معنى وله الحمد: أي الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد، وقرأ عكرمة «حينا تمسون وحينا تصبحون» والمعنى: حينا تمسون فيه، وحينا تصبحون فيه، والعشي: من صلاة المغرب إلى العتمة. قال الجوهري، وقال قوم: هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، ومنه قول الشاعر:
غدونا غدوة سحرا بليل ... عشيا بعد ما انتصف النهار
وقوله: عشيا معطوف على حين، وفي السماوات متعلق بنفس الحمد أي: الحمد به يكون في السماوات والأرض يخرج الحي من الميت كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة ويخرج الميت من الحي كالنطفة، والبيضة من الحيوان. وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران. قيل: ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت، وهو النوم إلى شبه الوجود، وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى النوم ويحي الأرض بعد موتها أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت وكذلك تخرجون أي: ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم.
قرأ الجمهور «تخرجون» على البناء للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي على البناء للفاعل، فأسند الخروج إليهم كقوله: يوم يخرجون من الأجداث «3» ومن آياته أن خلقكم من تراب أي: من آياته الباهرة الدالة على البعث أن خلقكم، أي: خلق أباكم آدم من تراب، وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من