فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص287
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب «1»
فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم. قرأ الجمهور «يعرج» على البناء للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة على البناء للمفعول، والأصل يعرج به، ثم حذف حرف الجار فاستتر الضمير. وقد استشكل جماعة الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة «2» فقيل في الجواب إن يوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، ولكنه باعتبار صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة، والعرب تصف كثيرا يوم المكروه بالطول، كما تصف يوم السرور بالقصر كما قال الشاعر «3» :
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
وقول الآخر:
ويوم كإبهام القطاة قطعته وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام فمنها ما مقداره ألف سنة، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل:
هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر فيعذب به خمسين ألف سنة. وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة، فيكون معنى يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات، أو موقف من تلك المواقف. وحكى الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، والمراد: أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله: في يوم كان مقداره ألف سنة المسافة التي بين الأرض وبين سماء الدنيا هبوطا وصعودا، فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل: إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة، فقوله:
في يوم كان مقداره ألف سنة يعني: يدبر الأمر في زمان، يوم منه: ألف سنة. فكم يكون الشهر منه؟ وكم تكون السنة منه؟ وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة، وبين خمسين ألف سنة. وقيل: غير ذلك.
وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين، كما سيأتي في آخر البحث إن شاء الله. قرأ الجمهور مما تعدون بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن والسلمي وابن وثاب والأعمش بالتحتية على الغيبة، والإشارة بقوله: ذلك إلى الله سبحانه باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف، وهو مبتدأ وخبره عالم الغيب والشهادة أي: العالم بما غاب عن الخلق، وما حضرهم. وفي هذا: معنى التهديد لأنه سبحانه إذا علم