شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص34

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

والحرام من لا يجد نكاحا، أي: سبب نكاح، وهو المال. وقيل: النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة، كاللحاف: اسم لما يلتحف به، واللباس: اسم لما يلبس، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية، وهي حتى يغنيهم الله من فضله أي: يرزقهم رزقا يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد، الجملة الأولى: وهي إن يكونوا فقراء يغنهم الله بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعدا حتما، لا محالة في حصوله، لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة، فإنه سيغنى عند تزوجه لا محالة، فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى، إلا أن يقال: إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها، وأعظمها: المال. ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال: والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم الموصول في محل رفع، ويجوز أن يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده، أي: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب: كالمكاتبة، يقال: كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، كما يقال قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة. وقيل: الكتاب هاهنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه، وعلى أنفسهم بذلك كتابا، فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة. ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما، فإذا أداه فهو حر، وظاهر قوله: فكاتبوهم أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو إن علمتم فيهم خيرا والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل: هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومقاتل. وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك، والشافعي والفراء والزجاج. قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء، وتأدية للمال. وقال الزجاج: لما قال: «فيهم» كان الأظهر الاكتساب، والوفاء وأداء الأمانة. وقال النخعي: إن الخير: الدين والأمانة. وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة.

قال الطحاوي: وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال؟ قال:

والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق. قال أبو عمر بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال.

هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخبر المذكور في هذه الآية. وإذا تقرر لك هذا، فاعلم أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب، أما عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك: وأهل الظاهر، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه، إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا.

وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة لأنها معاوضة.

ولا يخفاك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون، وبه قال عمر بن الخطاب وابن

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية