شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص311

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

فلانا بلسانه: إذا أغلظ له في القول مجاهرا. قال الفراء: أي آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة، ويقال: خطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا، ومنه قول الأعشى:

فيهم المجد والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب السلاق

قال القتبي: المعنى آذوكم بالكلام الشديد، والسلق: الأذى، ومنه قول الشاعر:

ولقد سلقنا هوازنا ... بنواهل حتى انحنينا

قال قتادة: معنى الآية: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا فإنا قد شهدنا معكم، فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: وهذا قول حسن، وانتصاب: أشحة على الخير على الحالية من فاعل سلقوكم، ويجوز أن يكون نصبه على الذم. وقرأ ابن أبي عبلة برفع أشحة، والمراد هنا: أنهم أشحة على الغنيمة، يشاحون المسلمين عند القسمة، قال يحيى بن سلام. وقيل: على المال أن ينفقوه في سبيل الله. قاله السدي. ويمكن أن يقال معناه: أنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه، والإشارة بقوله: أولئك إلى الموصوفين بتلك الصفات لم يؤمنوا إيمانا خالصا بل هم منافقون، يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر فأحبط الله أعمالهم أي:

أبطلها، بمعنى: أظهر بطلانها، لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله. قال مقاتل: أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان وكان ذلك على الله يسيرا أي: وكان ذلك الإحباط لأعمالهم، أو كان نفاقهم على الله هينا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي: يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع وإن يأت الأحزاب مرة أخرى بعد هذه المرة يودوا لو أنهم بادون في الأعراب أي: يتمنون أنهم في بادية الأعراب لما حل بهم من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال: بدا يبدو بداوة: إذا خرج إلى البادية يسئلون عن أنبائكم أي: عن أخباركم، وما جرى لكم، كل قادم عليهم من جهتكم، أو يسأل بعضهم بعضا عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف نياتهم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا أي: لو كانوا معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا خوفا من العار وحمية على الديار لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي: قدوة صالحة، يقال لي في فلان أسوة: أي لي به، والأسوة من الائتساء، كالقدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر. قال الجوهري: والأسوة والإسوة بالضم والكسر، والجمع: أسى وإسى. قرأ الجمهور «أسوة» بالضم للهمزة، وقرأ عاصم بكسرها، وهما لغتان كما قال الفراء وغيره.

وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله، أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فهي عامة

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية