شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص313

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

النحب: ما التزمه الإنسان، واعتقد الوفاء به، ومنه قول الشاعر:

عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر

وقال الآخر:

بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب

أي: على أمر عظيم، والنحب: يطلق على النذر، والقتل، والموت. قال ابن قتيبة: قضى نحبه: أي:

قتل، وأصل النحب: النذر. كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا، أو يفتح الله لهم فقتلوا، فقيل فلان قضى نحبه: أي قتل، والنحب أيضا: الحاجة وإدراك الأمنية، يقول قائلهم: مالي عندهم نحب، والنحب: العهد، ومنه قول الشاعر:

لقد نحبت كلب على الناس أنهم ... أحق بتاج الماجد المتكرم

وقال الآخر:

قد نحب المجد علينا نحبا «1» ومن ورود النحب في الحاجة وإدراك الأمنية قول الشاعر:

أنحب فيقضى أم ضلال وباطل «2» ومعنى الآية: أن من المؤمنين رجالا أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم، ووفوا بنذرهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر ومنهم من ينتظر قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن عفان، وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل وإدراك فضل الشهادة، وجملة وما بدلوا تبديلا معطوفة على صدقوا، أي: ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتا مستمرا، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا، ولم يغيروا ولا بدلوا، واللام في قوله: ليجزي الله الصادقين بصدقهم يجوز أن يتعلق بصدقوا أو بزادهم، أو بما بدلوا، أو بمحذوف، كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء بما صدر عنهم من التغيير والتبديل، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بسبب تبديلهم، وتغييرهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها، والسعي لتحصيلها، ومفعول «إن شاء» وجوابها محذوفان، أي: إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على

الصفحة السابقة الصفحة التالية