شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص350

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

بأذى. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة بقوله: ذلك إلى إدناء الجلابيب، وهو:

مبتدأ، وخبره: أدنى أن يعرفن أي: أقرب أن يعرفن فيتميزن عن الإماء ويظهر للناس أنهن حرائر فلا يؤذين من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن ولأهلهن، وليس المراد بقوله: ذلك أدنى أن يعرفن أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنه قد لبسن لبسة تختص بالحرائر وكان الله غفورا لما سلف منهن من ترك إدناء الجلابيب رحيما بهن أو غفورا لذنوب المذنبين، رحيما بهم، فيدخلن في ذلك دخولا أوليا. ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف فقال: لئن لم ينته المنافقون عما هم عليه من النفاق والذين في قلوبهم مرض أي: شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب والمرجفون في المدينة عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين، وظهور المشركين عليهم. قال القرطبي: أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى: أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق، ومرض القلوب، والإرجاف على المسلمين، فهو على هذا من باب قوله:

إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم

أي: إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة. وقال عكرمة وشهر بن حوشب: الذين في قلوبهم مرض هم: الزناة. والإرجاف في اللغة: إشاعة الكذب والباطل، يقال أرجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت، من الرجفة وهي: الزلزلة. يقال رجفت الأرض: أي تحركت، وتزلزلت ترجف رجفا، والرجفان: الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافا لاضطرابه، ومنه قول الشاعر:

المطعمون اللحم كل عشية ... حتى تغيب الشمس في الرجاف

والإرجاف: واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء: خاضوا فيه، ومنه قول شاعر:

فإنا وإن عيرتمونا بقلة ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد

وقول الآخر «1» :

أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور

وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار، فتوعدهم الله سبحانه بقوله: لنغرينك بهم أي: لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل، والتشريد بأمرنا لك بذلك. قال المبرد: قد أغراه الله بهم في قوله بعد هذه الآية ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا فهذا في معنى الأمر بقتلهم وأخذهم، أي:

الصفحة السابقة الصفحة التالية