شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص370

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

ابن عباس، واختار أبو حاتم، قال لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة، بطرا وأشرا وكفرا للنعمة. وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر «ربنا» بالرفع «بعد» بفتح العين مشددة، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم، مع كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء، فيكون هذا من جملة بطرهم، وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميقع السابقة مع رفع (بين) على أنه الفاعل، كما قيل في قوله: لقد تقطع بينكم وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف، والتقدير: بعد سيرنا بين أسفارنا. قال النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن أخبر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم، فلما فعل ذلك بهم شكوا وتضرروا، ولهذا قال سبحانه: وظلموا أنفسهم حيث كفروا بالله وبطروا نعمته وتعرضوا لنقمته فجعلناهم أحاديث يتحدث الناس بأخبارهم. والمعنى: جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجبا من فعلهم واعتبارا لحالهم وعاقبتهم ومزقناهم كل ممزق أي: فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وهذه الجملة مبينة لجعلهم أحاديث، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم وأذهب جنتهم، تفرقوا في البلاد فصارت العرب تضرب بهم الأمثال، فتقول: تفرقوا أيدي سبا. قال الشعبي:

فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة إن في ذلك لآيات أي:

فيما ذكر من قصتهم وما فعل الله بهم لآيات بينات، ودلالات واضحات لكل صبار شكور أي: لكل من هو كثير الصبر والشكر، وخص الصبار الشكور لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات ولقد صدق عليهم إبليس ظنه قرأ الجمهور صدق بالتخفيف ورفع إبليس ونصب ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر:

أي صدق عليهم ظنا ظنه، أو صدق في ظنه، أو على الظرف. والمعنى: أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، ويجوز أن يكون منتصبا على المفعولية، أو بإسقاط الخافض. وقرأ حمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وعاصم صدق بالتشديد، وظنه بالنصب على أنه مفعول به. قال أبو علي الفارسي: أي صدق الظن الذي ظنه. قال مجاهد: ظن ظنا فصدق ظنه، فكان كما ظن، وقرأ أبو جعفر وأبو الجهجاه والزهري وزيد بن علي «صدق» بالتخفيف و «إبليس» بالنصب و «ظنه» بالرفع قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، وقد أجاز هذه القراءة الفراء وذكرها الزجاج، وجعل الظن: فاعل صدق، وإبليس:

مفعوله. والمعنى: أن إبليس سول له ظنه شيئا فيهم فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدق عليهم ظن إبليس.

وروي عن أبي عمرو أنه قرأ برفعهما مع تخفيف صدق على أن يكون ظنه بدل اشتمال من إبليس، قيل: وهذه الآية خاصة بأهل سبأ. والمعنى: أنهم غيروا وبدلوا بعد أن كانوا قد آمنوا بما جاءت به رسلهم، وقيل هي عامة، أي: صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله. قال مجاهد والحسن. قال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه فصدق ظنه فاتبعوه قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا، وإنما ظن فكان كما ظن بوسوسته، وانتصاب إلا فريقا من المؤمنين على الاستثناء، وفيه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية