فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص41
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
البصري وغيره: معنى ترفع تعظم، ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ورجحه الزجاج وقيل: المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين، ومعنى يذكر فيها اسمه كل ذكر لله عز وجل، وقيل: هو التوحيد، وقيل:
المراد تلاوة القرآن، والأول أولى يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال قرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بفتح الباء الموحدة مبنيا للمفعول، وقرأ الباقون بكسرها مبنيا للفاعل إلا ابن وثاب وأبا حيوة فإنهما قرءا بالتاء الفوقية وكسر الموحدة، فعلى القراءة الأولى يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة، ويكون رجال مرفوع على أحد وجهين: إما بفعل مقدر، وكأنه جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل:
يسبحه رجال. الثاني: أن رجال مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وعلى القراءة الثانية يكون رجال فاعل يسبح، وعلى القراءة الثالثة يكون الفاعل أيضا رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال.
واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، قالوا: الغدو: صلاة الصبح، والآصال: صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم الآصال يشملها، ومعنى بالغدو والآصال: بالغداة والعشي، وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل: المراد صلاة الضحى، وقيل: المراد بالتسبيح هنا: معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده، وهذا أرجح مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي، مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون، وهو ما ذكرناه لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله هذه الجملة صفة لرجال، أي: لا تشغلهم التجارة والبيع عن الذكر وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الذكر. وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على بدنه، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها. وبمثل قول الفراء، قال الواقدي: فقال التجار: هم الجلاب المسافرون والباعة المقيمون، ومعنى عن ذكر الله:
هو ما تقدم في قوله: ويذكر فيها اسمه وقيل: المراد الأذان، وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى. أي:
يوحدونه ويمجدونه. وقيل: المراد: عن الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. والمراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها من غير تأخير وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله:
ثلاثة تحذف تاءاتها ... مضافة عند جمع النحاة
وهي إذا شئت أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاة
وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية قول الشاعر:
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
أي: عدة الأمر، وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك الثلاثة المواضع. قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل إقواما، ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقاما، فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، وهذا إجماع من النحويين. انتهى. وقد احتاج
#