فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص382
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
إنهم جميعا قالوا تارة إنه إفك، وتارة إنه سحر، والأول أولى وما آتيناهم من كتب يدرسونها أي:
ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية يدرسون فيها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير يدعوهم إلى الحق وينذرهم بالعذاب، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه، ولا شبه يتشبثون بها. قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قال الفراء: أي من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه؟ ثم خوفهم سبحانه وأخبر عن عاقبتهم، وعاقبة من كان قبلهم فقال: وكذب الذين من قبلهم من القرون الخالية وما بلغوا معشار ما آتيناهم أي: ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة، وكثرة المال، وطول العمر فأهلكهم الله، كعاد وثمود وأمثالهم. والمعشار: هو العشر. قال الجوهري: معشار الشيء عشره. وقيل المعشار: عشر العشر، والأول أولى. وقيل إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى. وقيل ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، وقيل: ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان، والأول أولى. وقيل: المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جزءا من ألف جزء.
قال الماوردي: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل. قلت: مراعاة المبالغة في القليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي، وقوله: فكذبوا رسلي عطف على كذب الذين من قبلهم على طريقة التفسير، كقوله: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا «1» الآية، والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم، فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن كان مستلزما فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية فكيف كان نكير أي: فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب والعقوبة، فليحذر هؤلاء من مثل ذلك، قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: فأهلكناهم فكيف كان نكير، والنكير اسم بمعنى الإنكار. ثم أمر سبحانه رسوله أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها فقال: قل إنما أعظكم بواحدة أي: أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي: أن تقوموا لله مثنى وفرادى هذا تفسير للخصلة الواحدة، أو بدل منها، أي: هي قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، لأن الاجتماع يشوش الفكر، وليس المراد القيام على الرجلين، بل المراد القيام بطلب الحق وإصداق الفكر فيه، كما يقال قام فلان بأمر كذا ثم تتفكروا في أمر النبي وما جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن ما بصاحبكم من جنة وذلك لأنهم كانوا يقولون:
إن محمدا مجنون، فقال الله سبحانه قل لهم اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل لصاحبه: هلم فلنتصادق، هل رأينا بهذا الرجل من جنة، أي: جنون أو جربنا عليه كذبا، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر، فإن في ذلك ما يدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق وأنه رسول من عند الله، وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون، وهو معنى قوله: إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد