فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص407
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
البلوغ فذوقوا فما للظالمين من نصير أي: فذوقوا عذاب جهنم، لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فما لكم ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. قال مقاتل: فذوقوا العذاب، فما للمشركين من مانع يمنعهم إن الله عالم غيب السماوات والأرض
قرأ الجمهور بإضافة عالم إلى غيب، وقرأ جناح ابن حبيش بالتنوين ونصب غيب. والمعنى: أنه عالم بكل شيء ومن ذلك أعمالا لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا كما قال سبحانه: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه «1» إنه عليم بذات الصدور
تعليل لما قبله، لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى، وقيل: هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى هو الذي جعلكم خلائف في الأرض أي: جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. قال قتادة: خلفا بعد خلف وقرنا بعد قرن، والخلف: هو التالي للمتقدم، وقيل: جعلكم خلفاءه في أرضه فمن كفر منكم هذه النعمة فعليه كفره أي: عليه ضرر كفره، لا يتعداه إلى غيره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا أي: غضبا وبغضا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا أي: نقصا وهلاكا، والمعنى: أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا الخسار. ثم أمره سبحانه أن يوبخهم ويبكتهم فقال: قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أي: أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة وعبدتموهم من دون الله، وجملة: أروني ماذا خلقوا من الأرض بدل اشتمال من أرأيتم، والمعنى: أخبروني عن شركائكم، أروني أي شيء خلقوا من الأرض؟ وقيل: إن الفعلان، وهما أرأيتم وأروني من باب التنازع. وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين أم لهم شرك في السماوات أي: أم لهم شركة مع الله في خلقها، أو ملكها، أو التصرف فيها حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية أم آتيناهم كتابا أي: أم أنزلنا عليهم كتابا بالشركة فهم على بينة منه أي: على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم «بينة» بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع. قال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة كتابا، فهم على بيان منه بأن مع الله شريكا. ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى غيره فقال: بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا أي: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم إلا غرورا يغرونهم به ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغر ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده. وقيل: إن الشياطين تعد المشركين بذلك، وقيل: المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضا هو أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم، وجملة: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا مستأنفة لبيان قدرة الله سبحانه، وبديع صنعه بعد بيان ضعف الأصنام وعدم قدرتها على شيء، وقيل المعنى: إن شركهم يقتضي زوال السموات والأرض كقوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا «2» ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده أي:
ما أمسكهما من أحد من بعد إمساكه، أو من بعد زوالهما، والجملة سادة مسد جواب القسم والشرط، ومعنى: