شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص48

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

الطير، وهي كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها، أن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء. ثم زاد في البيان فقال: كل قد علم صلاته وتسبيحه أي: كل واحد مما ذكر، والضمير في علم: يرجع إلى كل، والمعنى: أن كل واحد من هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلي، وتسبيح المسبح، وقيل المعنى: أن كل مصل ومسبح قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. قيل: والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحا. وقيل: المراد بالصلاة هنا الدعاء، أي: كل واحد قد علم دعاءه وتسبيحه. وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم علمها الله ذلك وألهمها إليه، لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه وعظيم شأنه، كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له والله عليم بما يفعلون هذه الجملة مقررة لما قبلها، أي: لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم، ويجوز أن يكون الضمير في علم لله سبحانه، أي: كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له وتسبيحه إياه، والأول: أرجح لاتفاق القراء على رفع كل، ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل أولى. وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء علم: على البناء للمفعول. ثم بين سبحانه أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال: ولله ملك السماوات والأرض أي: له لا لغيره وإلى الله المصير لا إلى غيره، والمصير: الرجوع بعد الموت. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر من الآثار العلوية، فقال: ألم تر أن الله يزجي سحابا الإزجاء: السوق قليلا قليلا، ومنه قول النابغة:

إني أتيتك من أهلي ومن وطني ... أزجي حشاشة نفس ما بها رمق

وقوله أيضا:

أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد

والمعنى: أنه سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء ثم يؤلف بينه أي: بين أجزائه، فيضم بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد تفرقه ليقوى ويتصل ويكثف، والأصل في التأليف: الهمز. وقرأ ورش وقالون عن نافع يؤلف بالواو تخفيفا، والسحاب: واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع، ولهذا دخلت بين عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له. قال الفراء: إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب، كما تقول:

الشجر قد جلست بينه، لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ ثم يجعله ركاما أي: متراكما يركب بعضه بعضا. والركم: جمع الشيء، يقال: ركم الشيء يركمه ركما، أي: جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع، والركمة: الطين المجموع، والركام: الرمل المتراكب فترى الودق يخرج من خلاله الودق: المطر عند جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر:

فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية