شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص50

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وقال امرؤ القيس:

يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الذبال المفتل

فالسنا بالقصر: ضوء البرق، وبالمد: الرفعة، كذا قال المبرد وغيره. وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى ابن وثاب سنا برقه بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء، فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف. وقرأ طلحة ويحيى أيضا بضم الباء من برقه وفتح الراء. قال أحمد بن يحيى ثعلب: وهي على هذه القراءة جمع برق.

وقال النحاس: البرقة المقدار من البرق والبرقة الواحدة. وقرأ الجحدري وابن القعقاع «يذهب» بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب. وقرأ الباقون سنا بالقصر، وبرقه بفتح الباء، وسكون الراء، ويذهب بفتح الياء والهاء من الذهاب، وخطأ قراءة الجحدري وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم.

ومعنى ذهاب البرق بالأبصار: خطفه إياها من شدة الإضاءة وزيادة البريق، والباء في الأبصار على قراءة الجمهور: للإلصاق، وعلى قراءة غيرهم: زائدة يقلب الله الليل والنهار أي: يعاقب بينهما، وقيل:

يزيد في أحدهما وينقص الآخر، وقيل: يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ونفع وضر، وقيل:

بالحر والبرد، وقيل: المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة، وبضوء القمر أخرى، والإشارة بقوله: إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إلى ما تقدم، ومعنى العبرة: الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار، والمراد بأولي الأبصار: كل من له بصر ويبصر به.

ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان، وبديع صنعته فقال: والله خلق كل دابة من ماء قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي «والله خالق كل دابة» وقرأ الباقون خلق والمعنيان صحيحان، والدابة: كل ما دب على الأرض من الحيوان، يقال: دب يدب فهو داب، والهاء: للمبالغة، ومعنى من ماء من نطفة، وهي: المني، كذا قال الجمهور. وقال جماعة: إن المراد الماء المعروف، لأن آدم خلق من الماء والطين. وقيل: في الآية تنزيل الغالب منزلة الكل على القول الأول، لأن في الحيوانات من لا يتولد عن نطفة، ويخرج من هذا العموم الملائكة فإنهم خلقوا من نور، والجان فإنهم خلقوا من نار.

ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال: فمنهم من يمشي على بطنه وهي: الحيات، والحوت، والدود، ونحو ذلك ومنهم من يمشي على رجلين الإنسان والطير ومنهم من يمشي على أربع سائر الحيوانات، ولم يتعرض لما يمشي على أكثر من أربع لقلته، وقيل: لأن المشي على أربع فقط وإن كانت القوائم كثيرة، وقيل: لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه لهذا فإن المراد التنبيه على بديع الصنع وكمال القدرة، فكيف يقال بعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع؟ وقيل: ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع، لأنه لم ينف ذلك ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبي «ومنهم من يمشي على أكثر» فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع: كالسرطان والعناكب وكثير من خشاش الأرض يخلق الله ما يشاء مما ذكره هاهنا، ومما لم يذكره، كالجمادات مركبها وبسيطها، ناميها وغير ناميها إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية