فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص471
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين وإن يونس لمن المرسلين
يونس هو ذو النون، وهو ابن متى. قال المفسرون: وكان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج عنهم وقصد البحر وركب السفينة، فكان بذهابه إلى البحر كالفار من مولاه فوصف بالإباق، وهو معنى قوله: إذ أبق إلى الفلك المشحون
وأصل الإباق الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه وصف به. وقال المبرد. تأويل أبق تباعد: أي ذهب إليه، ومن ذلك قولهم عبد آبق.
وقد اختلف أهل العلم هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إياه أو بعده؟ ومعنى المشحون: المملوء فساهم فكان من المدحضين
المساهمة أصلها المغالبة، وهي الاقتراع، وهو أن يخرج السهم على من غلب. قال المبرد: أي فقارع. قال: وأصله من السهام التي تجال، ومعنى فكان من المدحضين
فصار من المغلوبين. قال: يقال دحضت حجته وأدحضها الله، وأصله من الزلق عن مقام الظفر، ومنه قول الشاعر:
قتلنا المدحضين بكل فج ... فقد قرت بقتلهم العيون
أي: المغلوبين فالتقمه الحوت وهو مليم يقال: لقمت اللقمة والتقمتها: إذا ابتلعتها، أي: فابتلعه الحوت، ومعنى وهو مليم وهو مستحق للوم، يقال: رجل مليم إذا أتى بما يلام عليه، وأما الملوم:
فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا، وقيل: المليم المعيب، يقال ألام الرجل إذا عمل شيئا صار به معيبا. ومعنى هذه المساهمة: أن يونس لما ركب السفينة احتبست، فقال الملاحون: هاهنا عبد أبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال أنا الآبق وزج نفسه في الماء. قال سعيد بن جبير: لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت فلولا أنه كان من المسبحين أي: الذاكرين لله، أو المصلين له للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي: لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم البعث، وقيل: للبث في بطنه حيا.
واختلف المفسرون كم أقام في بطن الحوت؟ فقال: السدي، والكلبي، ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وقال الضحاك: عشرين يوما. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام، وقيل:
ساعة واحدة. وفي هذه الآية ترغيب في ذكر الله، وتنشيط للذاكرين له فنبذناه بالعراء وهو سقيم النبذ الطرح. قال ابن الأعرابي: هو الصحراء، وقال الأخفش: الفضاء، وقال أبو عبيدة: الواسع من الأرض، وقال الفراء: المكان الخالي. وروي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال: هو وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة:
ورفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي
والمعنى: أن الله طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها، وهو عند إلقائه سقيم
#