شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 4

الشوكاني • التفسير • ج4 ص482

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

والشقاق: مأخوذ من الشق وقد تقدم بيانه. ثم خوفهم سبحانه وهددهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار فقال: كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي: كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين كانوا أمنع من هؤلاء وأشد قوة وأكثر أموالا، وكم: هي الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، ومن قرن: تمييز، و «من» في «من قبلهم» هي: لابتداء الغاية فنادوا ولات حين مناص النداء هنا: هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. والمناص: مصدر ناص ينوص، وهو الفوت والتأخر. ولات: بمعنى ليس بلغة أهل اليمن. وقال النحويون: هي لا التي بمعنى لي زيدت عليه التاء كما في قولهم: رب وربت، وثم وثمت قال الفراء: النوص التأخر، وأنشد قول امرئ القيس:

أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص قال: يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا: أي فر وزاغ. قال الفراء: ويقال ناص ينوص: إذا تقدم.

وقيل المعنى: أنه قال بعضهم لبعض مناص، أي: عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله ولات حين مناص قال سيبويه: لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي: ليس حيننا حين مناص. قال الزجاج: التقدير وليس أواننا. قال ابن كيسان: والقول كما قال سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد والأخفش. قال الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش: والتاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد: تكتب متصلة بحين، فيقال: «ولا تحين» ومنه قول أبي وجرة السعدي:

العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم

وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر:

تذكر حب ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب قد قطع القرينا

قال أبو عبيد: لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن. قلت: بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر:

فلتعرفن خلائقا مشمولة ... ولتندمن ولات ساعة مندم

وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلا به على أن من العرب من يخفض بها، وجملة: ولات حين مناص في محل نصب على الحال من ضمير نادوا. قرأ الجمهور «لات» بفتح التاء، وقرئ «لات» بالكسر كجير وعجبوا أن جاءهم منذر منهم أي: عجب الكفار الذين وصفهم الله سبحانه بأنهم في عزة وشقاق أن جاءهم منذر منهم، أي: رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض، أي: من أن جاءهم، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع كفرهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية