فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص72
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
ولما فرغ من بيان التوحيد، وتزييف مذاهب المشركين، شرع في ذكر شبه منكري النبوة. فالشبهة الأولى: ما حكاه عنهم بقوله: وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك أي: كذب افتراه أي:
اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة بقوله هذا: إلى القرآن وأعانه عليه أي: على الاختلاق قوم آخرون يعنون من اليهود. قيل وهم: أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر الكلام على مثل هذا في النحل. ثم رد الله سبحانه عليهم فقال: فقد جاؤ ظلما وزورا أي: فقد قالوا ظلما هائلا عظيما وكذبا ظاهرا، وانتصاب ظلما بجاؤوا، فإن جاء: قد يستعمل استعمال أتى، ويعدى تعديته. وقال الزجاج: إنه منصوب بنزع الخافض، والأصل، جاءوا بظلم. وقيل: هو منتصب على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلما لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر، لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة. ثم ذكر الشبهة الثانية فقال: وقالوا أساطير الأولين أي:
أحاديث الأولين، وما سطروه من الأخبار. قال الزجاج: واحد الأساطير: أسطورة، مثل: أحاديث، وأحدوثة، وقال غيره: أساطير جمع أسطار مثل أقاويل وأقوال اكتتبها
أي: استكتبها أو كتبها لنفسه، ومحل اكتتبها: النصب على أنه حال من أساطير، أو محله الرفع على أنه خبر ثان، لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه أساطير الأولين اكتتبها، ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ، واكتتبها خبره، ويجوز أن يكون معنى اكتتبها جمعها من الكتب، وهو الجمع، لا من الكتابة بالقلم. والأول: أولى. وقرأ طلحة اكتتبها مبنيا للمفعول، والمعنى: اكتتبها له كاتب، لأنه كان أميا لا يكتب، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى ضمير فصار اكتتبها إياه، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه، فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان منصوبا بارزا، كذا قال في الكشاف، واعترضه أبو حيان فهي تملى عليه أي: تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يمليها من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه، ويجوز أن يكون المعنى اكتتبها أراد اكتتابها فهي تملى عليه لأنه يقال: أمليت عليه فهو يكتب بكرة وأصيلا غدوة وعشيا كأنهم قالوا: إن هؤلاء يعلمون محمدا طرفي النهار، وقيل: معنى بكرة وأصيلا: دائما في جميع الأوقات، فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم، وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء، فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة منه، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر، والسر: الغيب، أي: يعلم الغيب الكائن فيهما، وجملة إنه كان غفورا رحيما تعليل لتأخير العقوبة، أي: إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسوله والظلم له، فإنه لا يعجل عليكم بذلك، لأنه كثير المغفرة والرحمة.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس تبارك تفاعل من البركة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد
#