فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص12
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحد بسببه. وقالت فرقة منهم مالك وغيره: إن توبته تكون بأن يحسن حاله، ويصلح عمله، ويندم على ما فرط منه، ويستغفر الله من ذلك، ويعزم على ترك العود إلى مثله، وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن قوله. ويؤيد هذه الآيات والأحاديث الواردة في التوبة فإنها مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد.
وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب، ولو كان كفرا فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى، هكذا حكى الإجماع القرطبي. قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، وليس من رمى غيره بالزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا، والزاني إذا تاب قبلت شهادته، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن منها قوله:
إنما جزاء الذين يحاربون الله إلى قوله: إلا الذين تابوا «1» ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع. قال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، قال:
وقوله: أبدا أي: مادام قاذفا، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا فإن معناه: مادام كافرا، انتهى.
وجملة فإن الله غفور رحيم تعليل لما تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخذة للقاذف بعد التوبة وصيرورته مغفورا له، مرحوما من الرحمن الرحيم، غير فاسق ولا مردود الشهادة، ولا مرفوع العدالة. ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف، وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح فقال: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم أي: لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به من الزنا إلا أنفسهم بالرفع على البدل من شهداء. قيل: ويجوز النصب على خبر يكن.
قال الزجاج: أو على الاستثناء على الوجه المرجوح فشهادة أحدهم أربع شهادات قرأ الكوفيون برفع أربع على أنها خبر لقوله: فشهادة أحدهم أي: فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو أربع بالنصب على المصدر، ويكون فشهادة أحدهم خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: فشهادة أحدهم واجبة. وقيل:
إن أربع منصوب بتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله: بالله متعلق بشهادة أو بشهادات، وجملة إنه لمن الصادقين هي المشهود به، وأصله على أنه، فحذف الجار وكسرت إن، وعلق العامل عنها والخامسة قرأ السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء، وخبرها أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص و «الخامسة» بالنصب على معنى وتشهد الشهادة الخامسة، ومعنى إن كان من الكاذبين أي فيما رماها به من الزنا. قرأ الجمهور بتشديد «أن» من قوله: أن لعنة الله وقرأ نافع بتخفيفها، فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن، ولعنة الله: مبتدأ، وعليه: خبره، والجملة خبر أن، وعلى قراءة الجمهور تكون لعنة الله اسم أن، قال سيبويه:
لا تخفف أن في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة. وقال الأخفش: لا أعلم الثقيلة إلا أجود في