فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص86
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
كذلك نزلناه، ورتلناه ترتيلا، ومعنى الترتيل: أن يكون آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة. وقيل:
إن المعنى بيناه تبيينا، حكي هذا عن ابن عباس. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال السدي: فصلناه تفصيلا. قال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين. ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا أي: لا يأتيك. - يا محمد- المشركون بمثل من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاءوا به من المثل ويدمغه ويدفعه. فالمراد بالمثل هنا: السؤال والاقتراح، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شبهته، ويحسم مادته. ومعنى أحسن تفسيرا جئناك بأحسن تفسير، فأحسن تفسيرا معطوف على الحق، والاستثناء بقوله: إلا جئناك مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك ذلك. ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال: الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أي: يحشرون كائنين على وجوههم، والموصول: مبتدأ، وخبره: أولئك، أو هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، ويجوز نصبه على الذم.
ومعنى يحشرون على وجوههم: يسحبون عليها إلى جهنم أولئك شر مكانا أي: منزلا ومصيرا وأضل سبيلا وأخطأ طريقا، وذلك لأنهم قد صاروا في النار. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان، وقد قيل إن هذا متصل بقوله: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا.
وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا ثم تنشق السماء الثانية مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السموات السبع والإنس والجن وجميع الخلق، لهم قرون كعكوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. وإسناده عند ابن جرير هكذا: قال حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج ابن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس فذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد هكذا: قال حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد به. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند، قال السيوطي: صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو
#