فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص88
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
اللام في قوله: ولقد آتينا موسى الكتاب جواب قسم محذوف، أي: والله لقد آتينا موسى التوراة، ذكر سبحانه طرفا من قصص الأولين تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم وهارون عطف بيان، ويجوز أن ينصب على القطع ووزيرا المفعول الثاني، وقيل: حال، والمفعول الثاني: معه، والأول: أولى. قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه كلا لا وزر «1» . وقد تقدم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. وقد كان هارون في أول الأمر وزيرا لموسى، ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا وهم فرعون وقومه، والآيات هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك، لكن هذا الماضي بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله، أي: اذهبا إلى القوم الذين يكذبون بآياتنا. وقيل: إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل: يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا. وقيل: إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال، أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري: وقوله تعالى في موضع آخر: اذهب إلى فرعون إنه طغى «2» لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. ويمكن أن يقال: إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعا فدمرناهم تدميرا في الكلام حذف، أي: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، أي: أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما. وقيل: إن المراد بالتدمير هنا: الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم في نصب قوم أقوال: العطف على الهاء، والميم في دمرناهم، أو النصب بفعل محذوف: أي اذكر، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده، وهو أغرقناهم، أي: أغرقنا قوم نوح أغرقناهم، وقال الفراء: هو منصوب بأغرقناهم المذكور بعده من دون تقدير مضمر يفسره ما بعده. ورده النحاس بأن أغرقنا لا يتعدى إلى مفعولين حتى يعمل في الضمير المتصل به، وفي قوم نوح. ومعنى لما كذبوا الرسل أنهم كذبوا نوحا وكذبوا من قبله من رسل الله. وقال الزجاج: من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء، وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدم في هود وجعلناهم للناس آية أي: جعلنا إغراقهم، أو قصتهم آية، أي: عبرة لكل الناس على العموم، يتعظ بها كل مشاهد لها، وسامع لخبرها وأعتدنا للظالمين المراد بالظالمين: قوم نوح على الخصوص.
ويجوز أن يكون المراد ككل من سلك مسلكهم في التكذيب، والعذاب الأليم: هو عذاب الآخرة، وانتصاب