فتح القدير — ج 4
الشوكاني • التفسير • ج4 ص90
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجاءهم للجزاء، ويجوز أن يكون معنى يرجون يخافون وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أي: ما يتخذونك إلا هزؤا، أي: مهزوءا بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا، فجواب إذا هو إن يتخذونك وقيل: الجواب محذوف، وهو قوله: أهذا الذي وعلى هذا فتكون جملة إن يتخذونك إلا هزوا معترضة، والأول أولى. وتكون جملة أهذا الذي بعث الله رسولا في محل نصب على الحال بتقدير القول: أي قائلين أهذا إلخ، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له وتهكمهم به، والعائد محذوف أي: بعثه الله وانتصاب رسولا على الحال، أي: مرسلا، واسم الإشارة: مبتدأ، وخبره: الموصول وصلته إن كاد ليضلنا عن آلهتنا أي قالوا: إن كاد هذا الرسول ليضلنا: ليصرفنا عن آلهتنا فنترك عبادتها، وإن هنا هي المخففة، وضمير الشأن محذوف، أي: إنه كاد أن يصرفنا عنها لولا أن صبرنا عليها أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها، ثم إنه سبحانه أجاب عليهم فقال: وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا أي: حين يرون عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضل سبيلا، أي: أبعد طريقا عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت من اتخذ إلهه هواه قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول علمت منطلقا زيدا، أي:
أطاع هواه طاعة كطاعة الإله، أي: انظر إليه يا محمد وتعجب منه. قال الحسن: معنى الآية لا يهوى شيئا إلا اتبعه أفأنت تكون عليه وكيلا الاستفهام للإنكار والاستبعاد، أي: أفأنت تكون عليه حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون أي: أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن ومن المواعظ، أو يعقلون معاني ذلك ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم وتطمع في إيمانهم، ليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل. ثم بين سبحانه حالهم وقطع مادة الطمع فيهم فقال: إن هم إلا كالأنعام أي: ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلا كالبهائم التي هي مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ما هو فوق ذلك فقال: بل هم أضل سبيلا أي: أضل من الأنعام طريقا. قال مقاتل:
البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل: إنما كانوا أضل من الأنعام، لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها، وقيل: إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة غمطا للحق.
وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا
#