شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص106

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وقوله: في صرة في محل نصب على الحال فصكت وجهها أي: ضربت بيدها على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب. قال مقاتل والكلبي: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض، يقال صكه، أي: ضربه وقالت عجوز عقيم أي: كيف ألد وأنا عجوز عقيم؟ استبعدت ذلك لكبر سنها، ولكونها عقيما لا تلد قالوا كذلك قال ربك أي:

كما قلنا لك وأخبرناك قال: ربك فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه، فإن ما أراده الله كائن لا محالة ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا، وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، وقد سبق بيان هذا مستوفى، وجملة إنه هو الحكيم العليم تعليل لما قبلها، أي: حكيم في أفعاله وأقواله، عليم بكل شيء، وجملة قال فما خطبكم أيها المرسلون مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة، والخطب: الشأن والقصة، والمعنى: فما شأنكم وما قصتكم أيها المرسلون من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين يريدون قوم لوط لنرسل عليهم حجارة من طين أي: لنرجمهم بحجارة من طين متحجر، وانتصاب مسومة على الصفة لحجارة، أو على الحال في الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها قد وصفت بالجار والمجرور، ومعنى: مسومة معلمة بعلامات تعرف بها، وقيل: كانت مخططة بسواد وبياض، وقيل: بسواد وحمرة، وقيل: معروفة بأنها حجارة العذاب، وقيل: مكتوب على كل حجر من يهلك بها، وقوله: عند ربك ظرف لمسومة، أي: معلمة عنده للمسرفين المتمادين في الضلالة المجاوزين الحد في الفجور. وقال مقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين هذا كلام من جهة الله سبحانه، أي: لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين أي:

غير أهل بيت. يقال: بيت شريف ويراد به أهله، وقيل: وهم أهل بيت لوط، والإسلام: الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه، فكل مؤمن مسلم، ومن ذلك قوله: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا «1» وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرق بين الإسلام والإيمان في الحديث في الصحيحين وغير هما، الثابت من طرق، أنه سئل عن الإسلام فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة.

وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان» ، وسئل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره» «2» فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، والواجب

الصفحة السابقة الصفحة التالية