فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص115
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
يقع بالعصاة ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا، وهو يوم القيامة. وقيل: إن السماء ها هنا الفلك، وموره: اضطراب نظمه واختلاف سيره وتسير الجبال سيرا أي: تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها كسير السحاب، وتكون هباء منبثا، وقيل: ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدالة على غرابتهما وخروجهما عن المعهود، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف فويل يومئذ للمكذبين ويل: كلمة تقال للهالك، واسم واد في جهنم، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة، أي: إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال فويل لهم. ثم وصف المكذبين بقوله: الذين هم في خوض يلعبون أي: في تردد في الباطل واندفاع فيه يلهون لا يذكرون حسابا ولا يخافون عقابا. والمعنى:
أنهم يخوضون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وقيل: يخوضون في أسباب الدنيا ويعرضون عن الآخرة يوم يدعون إلى نار جهنم دعا الدع: الدفع بعنف وجفوة، يقال: دعته أدعه دعا، أي: دفعته، والمعنى: أنهم يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا. قال مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم. قرأ الجمهور: بفتح الدال وتشديد العين. وقرأ علي والسلمي وأبو رجاء وزيد بن علي وابن السميقع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة، أي: يدعون إلى النار من الدعاء. و «يوم» إما بدل من يوم تمور، أو متعلق بالقول المقدر في الجملة التي بعد هذه، وهي هذه النار التي كنتم بها تكذبون أي: يقال لهم ذلك يوم يدعون إلى نار جهنم دعا، أي: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، والقائل لهم بهذه المقالة هم خزنة النار، ثم وبخهم سبحانه أو أمر ملائكته بتوبيخهم، فقال: أفسحر هذا الذي ترون وتشاهدون كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة، وقدم الخبر هنا على المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه وتوجه التوبيخ إليه أم أنتم لا تبصرون أي: أم أنتم عمي عن هذا كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا أي: إذا لم يمكنكم إنكارها، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فالآن ادخلوها وقاسوا شدتها، فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا، وافعلوا ما شئتم، فالأمران سواء عليكم في عدم النفع، وقيل: أيضا تقول لهم الملائكة هذا القول، وسواء خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمران سواء، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، أي: سواء عليكم الصبر وعدمه، وجملة: إنما تجزون ما كنتم تعملون تعليل للاستواء، فإن الجزاء بالعمل إذا كان واقعا حتما كان الصبر وعدمه سواء إن المتقين في جنات ونعيم لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين، وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم، والتنوين في جنات ونعيم للتفخيم فاكهين بما آتاهم ربهم يقال رجل فاكه، أي: ذو فاكهة، كما قيل: لابن، وتامر. والمعنى: أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة، وقيل: ذوو نعمة وتلذذ بما صاروا فيه مما أعطاهم الله عز وجل مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد تقدم بيان معنى هذا. قرأ الجمهور: فاكهين بالألف والنصب على الحال. وقرأ خالد: «فاكهون» بالرفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عباس: «فكهين»
#