فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص120
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض، فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء، والمجنون: هو ذاهب العقل فضلا عن أن يكون له فطنة وذكاء. قال الواحدي: قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام، وجاوزوا الحد في العناد، فقالوا ما قالوا، وهذه الاضطرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام كما هو مدلول «أم» المنقطعة تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدمها، وأكثر جرأة وعنادا أم يقولون تقوله أي: اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله، والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب، وإن كان أصله تكلف القول، ومنه اقتال عليه، ويقال اقتال عليه: بمعنى تحكم، ومنه قول الشاعر «1» :
ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما اقتال في حكم علي طبيب
ثم أضرب سبحانه عن قولهم: تقوله وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال: بل لا يؤمنون أي: سبب صدور هذه الأقوال. المتناقضة عنهم كونهم كفارا لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم تحداهم سبحانه وألزمهم الحجة فقال: فليأتوا بحديث مثله أي: مثل القرآن في نظمه، وحسن بيانه، وبديع أسلوبه إن كانوا صادقين فيما زعموا من قولهم: إن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله وجاء به من جهة نفسه مع أنه كلام عربي، وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم والممارسون لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر.
وقد أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه. ثم قرأ:
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم» الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعا. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال:
إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا الآية. وإسناده هكذا. قال عبد الله بن أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب قال: «سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هما في النار، فلما رأى الكراهة في وجهها قال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت: يا رسول الله فولدي منك. قال: في الجنة، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ: والذين آمنوا» الآية. وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب