فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص127
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
هو الله عز وجل، والأول أولى، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ذو مرة فاستوى المرة:
القوة والشدة في الخلق، وقيل: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي «1» » . وقيل: ذو حصافة عقل ومتانة رأي. قال قطرب: العرب تقول لكل من هو جزل الرأي حصيف العقل: ذو مرة، ومنه قول الشاعر:
قد كنت قبل لقاكم ذا مرة ... عندي لكل مخاصم ميزانه
والتفسير للمرة بهذا أولى لأن القوة والشدة قد أفادها قوله: شديد القوى قال الجوهري: المرة:
إحدى الطبائع الأربع، والمرة: القوة وشدة العقل، والفاء في قوله: فاستوى للعطف على علمه، يعني جبريل، أي: ارتفع وعلا إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. وقيل: معنى استوى قام في صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين، وقيل: المعنى: فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: فاستوى: يعني الله عز وجل على العرش وهو بالأفق الأعلى هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى، والمراد بالأفق الأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، وقيل: المعنى: فاستوى عاليا، والأفق:
ناحية السماء، وجمعه آفاق. قال قتادة ومجاهد: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، وقيل: هو يعني جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة. ثم دنا فتدلى أي: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، أي: قرب من الأرض، فتدلى، فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقيل:
في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ثم تدلى فدنا، قاله ابن الأنباري وغيره، قال الزجاج: معنى دنا فتدلى واحد، أي: قرب وزاد في القرب، كما تقول: فدنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز.
قال الفراء: الفاء في «فتدلى» بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أن تقدم أيهما شئت. قال الجمهور: والذي دنا فتدلى هو جبريل وقيل: هو النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى:
دنا منه أمره وحكمه، والأول أولى، وقيل: ومن قال: إن الذي استوى هو جبريل ومحمد، فالمعنى عنده:
ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى، أي: هوى للسجود، وبه قال الضحاك. فكان قاب قوسين أو أدنى أي: فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم، أو ما بين محمد وربه قاب قوسين، أي: قدر قوسين عربيين. والقاب والقيب، والقاد والقيد: المقدار، ذكر معناه في الصحاح. قال الزجاج: أي: فيما تقدرون أنتم، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. وقيل «أو» بمعنى الواو، أي: وأدنى، وقيل: بمعنى بل، أي: بل أدنى. وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة فكان قاب قوسين قدر ذراعين، والقوس: الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل: هي لغة أزد شنوءة. وقال الكسائي: «فكان قاب قوسين» أراد قوسا