شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص136

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام

وقول الآخر:

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا «1» ونارا تأججا

قال الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة، ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، يقال:

ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمما وإلماما، أي: الحين بعد الحين، ومنه إلمام الخيال. قال الأعشى:

ألم خيال من قتيلة بعد ما ... هي حبلها من حبلنا فتصرما

قال في الصحاح: ألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة، وأنشد غيره:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب

وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة، وقيل: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب، وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم، ومنه:

إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما؟

اختار هذا القول الزجاج والنحاس. وقيل: هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعبادة. قال: والعرب تقول: ما تأتينا إلا إلماما، أي: في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يلم ولا يفعل لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل، لا إذا هم ولم يفعل، والراجح الأول، وجملة: إن ربك واسع المغفرة تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي: إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله ويحتاج إلى رحمته، وقيل: إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه. ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض أي: خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم. وقيل: المراد آدم فإنه خلقه من طين وإذ أنتم أجنة أي: هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، والأجنة: جمع جنين هو الولد ما دام في البطن، سمي بذلك لاجتنانه، أي: استتاره، ولهذا قال: في بطون أمهاتكم فلا يسمى من خرج عن البطن جنينا، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها، فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع، وجملة: هو أعلم بمن اتقى مستأنفة مقررة

الصفحة السابقة الصفحة التالية