شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص161

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير، والمراد بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي: باتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، والصلصال: الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وقيل: هو طين خلط برمل، وقيل: هو الطين المنتن، يقال: صل اللحم وأصل إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر، والفخار:

الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف. وخلق الجان من مارج من نار يعني خلق أبا الجن أو جنس الجن من مارج من نار، والمارج: اللهب الصافي من النار، وقيل: الخالص منها، وقيل: لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث: المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وقال المبرد: المارج: النار المرسلة التي لا تمنع، وقال أبو عبيدة: المارج: خلط النار، من مرج إذا اختلط واضطرب. قال الجوهري: «مارج من نار» : نار لا دخان لها، خلق منها الجان.

فبأي آلاء ربكما تكذبان فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى رب المشرقين ورب المغربين قرأ الجمهور: «رب» بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رب المشرقين والمغربين، وقيل: مبتدأ وخبره مرج البحرين وما بينهما اعتراض، والأول أولى، والمراد بالمشرقين مشرقا الشتاء والصيف، وبالمغربين مغرباهما فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده مرج البحرين يلتقيان المرج: التخلية والإرسال، يقال: مرجت الدابة إذا أرسلتها، وأصله الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى، والمعنى: أنه أرسل كل واحد منهما، يلتقيان: أي يتجاوران لا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا، ولهذا قال: بينهما برزخ أي: حاجز يحجز بينهما لا يبغيان أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به. قال الحسن وقتادة: هما بحر فارس والروم. وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة، وقيل:

بحر المشرق والمغرب، وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان، وقيل: بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير:

يلتقيان في كل عام، وقيل: يلتقي طرفاهما. وقوله: يلتقيان في محل نصب على الحال من البحرين، وجملة بينهما برزخ يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان. قرأ الجمهور: «يخرج» بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل، وقرأ نافع وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول، واللؤلؤ: الدر، والمرجان: الخرز الأحمر المعروف. وقال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان ما صغر. قال الواحدي: وهو قول جميع أهل اللغة. وقال مقاتل والسدي ومجاهد: اللؤلؤ صغاره، والمرجان كباره، وقال: يخرج منهما وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب، لأنه إذا خرج من أحد هما فقد خرج منهما، كذا قال الزجاج وغيره. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف المضاف، أي: من أحدهما، كقوله: على رجل من القريتين عظيم «1» . وقال الأخفش: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب، وقيل: هما بحران يخرج من

الصفحة السابقة الصفحة التالية