شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص237

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة، يعني السلاح، فأنزل الله فيهم: سبح لله ما في السماوات وما في الأرض إلى قوله: لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الإجلاء وجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: لأول الحشر فكان إجلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام. وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث، عن ابن عباس قال: «من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ:

«اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر» . وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء. وفي البخاري ومسلم وغير هما عن ابن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة «1» ، ولها يقول حسان:

فهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير

فأنزل الله: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين.

وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: اللينة النخلة وليخزي الفاسقين قال: استنزلوهم من حصونهم، وأمروا بقطع النخل، فحك في صدورهم «2» ، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: ما قطعتم من لينة الآية، وفي الباب أحاديث، والكلام في صلح بني النضير مبسوط في كتب السير. وأخرج البخاري ومسلم وغير هما عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، ومما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب فجعل ما أصاب رسوله الله يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها. قال: والإيجاف: أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عرينة «3» . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يعمد لينبع،

الصفحة السابقة الصفحة التالية