شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص241

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن رتبة إلى رتبة، حتى صاروا أعداء كتاب الله، وسنة رسوله، وخير أمته، وصالحي عباده، وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدين، وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي، ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، والله من ورائهم محيط ربنا إنك رؤف رحيم أي: كثير الرأفة والرحمة، بلغهما لمن يستحق ذلك من عبادك.

وقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال: أوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ويتجاوز من مسيئهم. وأخرج البخاري ومسلم وغير هما عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسول الله؟ أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا فقال: ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله، فقال رجل من الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليل لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلت، ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة» ، وأنزل فيهما:

ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر قال: أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول، فنزلت فيهم ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وأخرج الفريابي وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود أن رجلا قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال:

وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود: ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل. وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل وإنه لشر، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقد وقي شح نفسه. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما محق الإسلام محق الشح شيء قط» . وأخرج أحمد، والبخاري في الأدب، ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم» . وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الشح.

وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل، قد مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ:

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية