فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص251
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
ما جاءكم من الحق على حذف المكفور به، أي: كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سببا للكفر توبيخا لهم يخرجون الرسول وإياكم الجملة مستأنفة لبيان كفرهم، أو في محل نصب على الحال، وقوله: أن تؤمنوا بالله ربكم تعليل للإخراج، أي: يخرجونكم لأجل إيمانكم، أو كراهة أن تؤمنوا إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي جواب الشرط محذوف:
إن كنتم كذلك فلا تلقوا إليهم بالمودة، أو إن كنتم كذلك فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وانتصاب جهادا وابتغاء على العلة: أي إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي ولأجل ابتغاء مرضاتي، وجملة: تسرون إليهم بالمودة مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي: تسرون إليهم الأخبار بسبب المودة، وقيل: هي بدل من قوله:
«تلقون» . ثم أخبر بأنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم والجملة في محل نصب على الحال، أي: بما أضمرتم وما أظهرتم، والباء في «بما» زائدة. يقال: علمت كذا وعلمت بكذا، هذا على أن «أعلم» مضارع، وقيل: هو أفعل تفضيل، أي: أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل أي: من يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء، ويلقي إليهم بالمودة، فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضل عن قصد السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء
أي: إن يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ومنه المثاقفة: وهي طلب مصادفة الغرة في المسايفة، وقيل: المعنى: إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، والمعنيان متقاربان ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء أي: يبسطوا إليكم أيديهم بالضرب ونحوه، وألسنتهم بالشتم ونحوه وودوا لو تكفرون هذا معطوف على جواب الشرط، أو على جملة الشرط والجزاء، ورجح هذا أبو حيان. والمعنى:
أنهم تمنوا ارتدادهم وودوا رجوعهم إلى الكفر «1» لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم أي: لا تنفعكم القرابات على عمومها ولا الأولاد، وخصهم بالذكر مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم، والمعنى: أن هؤلاء لا ينفعونكم حين توالوا الكفار لأجلهم كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار وترك موالاتهم. وجملة يوم القيامة يفصل بينكم مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك اليوم، ومعنى يفصل بينكم يفرق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار. وقيل: المراد بالفصل بينهم أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول، كما في قوله: يوم يفر المرء من أخيه «2» الآية. قيل: ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله، أي: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه، ويبتدأ بقوله: يفصل بينكم والأولى أن يتعلق بما بعده كما ذكرنا والله بما تعملون بصير لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك.
قرأ الجمهور: يفصل بضم الياء وتخفيف الفاء وفتح الصاد مبنيا للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيد.