فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص38
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
محذوف، أي: الأمر ذلك، وقيل: في محل نصب على المفعولية بتقدير فعل، أي: افعلوا ذلك، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه ما تقدم، أي: ذلك حكم الكفار، ومعنى «لو يشاء الله لانتصر منهم» أي: قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب ولكن أمركم بحربهم ليبلوا بعضكم ببعض أي: ليختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين في سبيله والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم ويعذب الكفار بأيديهم والذين قتلوا في سبيل الله قرأ الجمهور «قاتلوا» مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو وحفص قتلوا مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن بالتشديد مبنيا للمفعول أيضا. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة «قتلوا» على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على القراءة الأولى.
والرابعة: أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، وعلى القراءة الثانية والثالثة: أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد. ثم ذكر سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال: سيهديهم أي: سيهديهم الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا، ويعطيهم الثواب في الآخرة ويصلح بالهم أي: حالهم وشأنهم وأمرهم. قال أبو العالية: قد ترد الهداية، والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطريق المفضية إليها، وقال ابن زياد: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير ويدخلهم الجنة عرفها لهم أي: بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم. قال الواحدي: هذا قول عامة المفسرين. وقال الحسن: وصف الله لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل: فيه حذف، أي: عرفوا طرقها ومساكنها وبيوتها. وقيل: هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل. وقيل: معنى «عرفها لهم» : طيبها بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة. ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم أي: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار ويفتح لكم، ومثله قوله: ولينصرن الله من ينصره «1» قال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم ويثبت أقدامكم أي: عند القتال. وتثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب، وقيل: على الإسلام، وقيل: على الصراط والذين كفروا فتعسا لهم الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف تقديره فتعسوا بدليل ما بعده، ودخلت الفاء تشبيها للمبتدأ بالشرط، وانتصاب تعسا على المصدر للفعل المقدر خبرا. قال الفراء: مثل سقيا لهم ورعيا، وأصل التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت:
التعس: أن يجر على وجهه، والنكس: أن يجر على رأسه، قال: والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري: وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، ومنه قول مجمع بن هلال:
تقول وقد أفردتها من خليلها ... تعست كما أتعستني يا مجمع
قال المبرد: أي: فمكروها لهم، وقال ابن جريج: بعدا لهم، وقال السدي: خزيا لهم. وقال ابن زيد: