شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص350

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

أي: إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو جزوع، أي: كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك. وقال أبو عبيدة: الهلوع: هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الشر لم يصبر. قال ثعلب: قد فسر الله الهلوع هو الذي إذا أصابه الشر أظهر شدة الجزع، وإذا أصابه الخير بخل به ومنعه الناس، والعرب تقول: ناقة هلواعة وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفته، ومنه قول الشاعر «1» :

صكاء «2» ذعلبة إذا استدبرتها ... حرج إذا استقبلتها هلواع

والذعلبة: الناقة السريعة، وانتصاب هلوعا وجزوعا ومنوعا على أنها أحوال مقدرة، أو محققة لكونها طبائع جبل الإنسان عليها، والظرفان معمولان لجزوعا ومنوعا إلا المصلين أي: المقيمين للصلاة، وقيل: المراد بهم أهل التوحيد، يعني أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع، والجزع، والمنع، وأنهم على صفات محمودة وخلال مرضية لأن إيمانهم وما تمسكوا به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على الاتصاف بصفات الخير. ثم بينهم سبحانه، فقال: الذين هم على صلاتهم دائمون أي: لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبدا.

قال الزجاج: هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة. وقال الحسن وابن جريج: هو التطوع منها.

قال النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة المكتوبة، وقيل: الذين يصلونها لوقتها، والمراد بالآية جميع المؤمنين، وقيل: الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين والذين في أموالهم حق معلوم قال قتادة ومحمد بن سيرين: المراد الزكاة المفروضة. وقال مجاهد: سوى الزكاة، وقيل: صلة الرحم، والظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلوما ولجعله قرينا للصلاة، وقد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات مستوفى والذين يصدقون بيوم الدين أي: بيوم الجزاء، وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه، وقيل: يصدقونه بأعمالهم فيتعبون أنفسهم في الطاعات والذين هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقارا لأعمالهم، واعترافا بما يجب لله سبحانه عليهم. وجملة إن عذاب ربهم غير مأمون مقررة لمضمون ما قبلها، مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد، وأن حق كل أحد أن يخافه والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله: فأولئك هم العادون قد تقدم تفسيره في سورة المؤمنين مستوفى والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون أي:

لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها، ولا ينقضون شيئا من العهود التي يعقدونها على أنفسهم.

قرأ الجمهور: لأماناتهم بالجمع، وقرأ ابن كثير وابن محيصن لأمانتهم بالإفراد، والمراد الجنس والذين هم بشهاداتهم قائمون أي: يقيمونها على من كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها، وقد تقدم القول في الشهادة في سورة البقرة، قرأ الجمهور: بشهادتهم

الصفحة السابقة الصفحة التالية