شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتح القدير — ج 5

الشوكاني • التفسير • ج5 ص364

دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت

وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك:

وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير «1» وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة:

أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى لقوله في سورة الرحمن: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان «2» وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك، فراجعها، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلا منهم، بل الرسل جميعا من الإنس، وإن أشعر قوله: لم يأتكم رسل منكم

بخلاف هذا، فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة. فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا أي:

قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم، أي: سمعنا كلاما مقروءا عجبا في فصاحته وبلاغته، وقيل: عجبا في مواعظه، وقيل: في بركته، وعجبا مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف، أي: ذا عجب، أو المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: معجبا يهدي إلى الرشد أي: إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب، وقيل: إلى معرفة الله، والجملة صفة أخرى للقرآن فآمنا به أي: صدقنا به بأنه من عند الله ولن نشرك بربنا أحدا من خلقه، ولا نتخذ معه إلها آخر لأنه المتفرد بالربوبية، وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة، وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله، وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مرات متعددة وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم، لا جرم صرعهم الله أذل مصرع، وقتلهم أقبح مقتل، ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون وأنه تعالى جد ربنا قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وحفص وعلقمة ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف والسلمي وأنه تعالى بفتح أن، وكذا قرءوا فيما بعدها مما هو معطوف عليها، وذلك أحد عشر موضعا إلى قوله: وأنه لما قام عبد الله وقرأ الباقون بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله: وأن المساجد لله فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع، فعلى العطف على محل الجار والمجرور في فآمنا به كأنه قيل: فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا إلخ، وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على إنا سمعنا، أي: فقالوا: إنا سمعنا قرآنا، وقالوا: إنه تعالى جد ربنا إلى آخره. واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن، ومما هو محكي عنهم بقوله: «فقالوا إنا سمعنا» . وقرأ أبو جعفر وشعبة بالفتح في ثلاثة مواضع، وهي:

وأنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول سفيهنا وأنه كان رجال من الإنس قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن. وقرأ الجمهور: وأنه لما قام عبد الله بالفتح لأنه معطوف على قوله: «أنه استمع» . وقرأ نافع وابن عامر وشيبة وزر بن حبيش وأبو بكر والمفضل عن عاصم بالكسر

الصفحة السابقة الصفحة التالية