فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص392
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
أي: سأكلفه مشقة من العذاب، وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق، وقيل:
المعنى: إنه يكلف أن يصعد جبلا من نار، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل.
وجملة: إنه فكر وقدر تعليل لما تقدم من الوعيد، أي: إنه فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من القرآن، وقدر في نفسه، أي: هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: هيأت الشيء إذا قدرته، وقدرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه، وقدر في نفسه ما يقول، فذمه الله وقال: فقتل كيف قدر أي: لعن وعذب كيف قدر، أي: على أي حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع، أي: على أي حال كانت منه، وقيل: المعنى: قهر وغلب كيف قدر، ومنه قول الشاعر «1» :
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء عليه. والتكرير في قوله: ثم قتل كيف قدر للمبالغة والتأكيد ثم نظر أي: بأي شيء يدفع القرآن ويقدح فيه، أو فكر في القرآن وتدبر ما هو ثم عبس أي: قطب وجهه لما لم يجد مطعنا يطعن به في القرآن، والعبس: مصدر عبس مخففا يعبس عبسا وعبوسا إذا قطب، وقيل: عبس في وجوه المؤمنين، وقيل: عبس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وبسر أي: كلح وجهه وتغير، ومنه قول الشاعر «2» :
صبحنا تميما غداة الجفار ... بشهباء ملمومة باسره «3»
وقول الآخر «4» :
وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها
وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبلها، والعرب تقول:
وجه باسر إذا تغير واسود. وقال الراغب: البسر: استعجال الشر قبل أوانه، نحو بسر الرجل حاجته، أي: طلبها في غير أوانها. قال: ومنه قوله: عبس وبسر أي: أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل اليمن يقولون: بسر المركب وأبسر، أي: وقف لا يتقدم ولا يتأخر، وقد أبسرنا، أي: صرنا إلى البسور ثم أدبر واستكبر أي: أعرض عن الحق، وذهب إلى أهله، وتعظم عن أن يؤمن، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر أي: يأثره عن غيره ويرويه عنه. والسحر: إظهار الباطل في صورة الحق، أو