فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص86
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
المتدبر في بديع صنعه وعجائب مخلوقاته. وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله:
ونزلنا من السماء ماء مباركا أي: نزلنا من السحاب ماء كثير البركة لانتفاع الناس به في غالب أمورهم فأنبتنا به جنات أي: أنبتنا بذلك الماء بساتين كثيرة وحب الحصيد أي: ما يقتات ويحصد من الحبوب، والمعنى: وحب الزرع الحصيد، وخص الحب لأنه المقصود، كذا قال البصريون. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع، حكاه الفراء. قال الضحاك: حب الحصيد: البر والشعير، وقيل: كل حب يحصد ويدخر ويقتات والنخل باسقات لها طلع نضيد هو معطوف على جنات أي: وأنبتنا به النخل، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، وانتصاب باسقات على الحال، وهي حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة.
قال مجاهد وعكرمة وقتادة: الباسقات: الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن وعكرمة والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة بسقت إذا ولدت، والأشهر في لغة العرب الأول، يقال: بسقت النخلة بسوقا إذا طالت، ومنه قول الشاعر:
لنا خمر وليست خمر كرم ... ولكن من نتاج الباسقات
كرام في السماء ذهبن طولا ... وفات ثمارها أيدي الجناة
وجملة لها طلع نضيد في محل نصب على الحال من النخل، والطلع: هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع طلوعا. والنضيد: المتراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح فهو نضيد في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد رزقا للعباد انتصابه على المصدرية، أي: رزقناهم رزقا، أو على العلة، أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق وأحيينا به بلدة ميتا أي: أحيينا بذلك الماء بلدة مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، وجملة كذلك الخروج مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، قرأ الجمهور ميتا على التخفيف، وقرأ أبو جعفر وخالد بالتثقيل. ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال: كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس هم قوم شعيب كما تقدم بيانه، وقيل: هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى. وقيل: هم أصحاب الأخدود. والرس: إما موضع نسبوا إليه، أو فعل، وهو حفر البئر، يقال: رس إذا حفر بئرا وثمود- وعاد وفرعون أي: فرعون وقومه وإخوان لوط جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره، وقيل: هم من قوم إبراهيم، وكانوا من معارف لوط وأصحاب الأيكة تقدم الكلام على الأيكة، واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء مستوفى، ونبيهم الذي بعثه الله إليهم شعيب وقوم تبع هو تبع الحميري الذي تقدم ذكره في قوله: أهم خير أم قوم تبع واسمه سعد أبو كرب، وقيل: أسعد. قال قتادة: ذم الله قوم تبع، ولم يذمه. كل كذب الرسل التنوين عوض عن المضاف إليه أي: كل واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله الله إليه، وكذب ما جاء به من الشرع، واللام في الرسل تكون للعهد،
#