فتح القدير — ج 5
الشوكاني • التفسير • ج5 ص100
دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
وحصول الزينة فيها ومزيد القوة لها. وقيل: إن المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفي الحشر وبعضهم يشك فيه، وقيل: كونهم يقرون أن الله خالقهم ويعبدون الأصنام يؤفك عنه من أفك أي: يصرف عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، أو عن الحق، وهو البعث والتوحيد من صرف. وقيل: يصرف عن ذلك الاختلاف من صرفه الله عنه بالعصمة والتوفيق، يقال: أفكه يأفكه إفكا، أي: قلبه عن الشيء، وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: قالوا أجئتنا لتأفكنا «1» وقال مجاهد: يؤفن عنه من أفن، والأفن: فساد العقل، وقيل: يحرمه من حرم. وقال قطرب: يخدع عنه من خدع. وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع قتل الخراصون هذا دعاء عليهم. وحكى الواحدي عن المفسرين جميعا أن المعنى: لعن الكذابون.
قال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللعن لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.
قال الفراء: معنى «قتل» : لعن. والخراصون: الكذابون الذين يتخرصون فيما لا يعلمون، فيقولون:
إن محمدا مجنون، كذاب، شاعر، ساحر. قال الزجاج: الخراصون: هم الكذابون، والخرص: حزر ما على النخل من الرطب تمرا، والخراص: الذي يخرصها، وليس هو المراد هنا. ثم قال: الذين هم في غمرة ساهون أي: في غفلة وعمى وجهالة عن أمور الآخرة. ومعنى ساهون: لاهون غافلون، والسهو: الغفلة عن الشيء وذهابه عن القلب، وأصل الغمرة ما ستر الشيء وغطاه، ومنها غمرات الموت يسئلون أيان يوم الدين أي: يقولون متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاء. ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال: يوم هم على النار يفتنون أي: يحرقون ويعذبون، يقال: فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره وأصل الفتنة: الاختبار. قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل: فتن. وانتصاب يوم بمضمر: أي الجزاء: يوم هم على النار، ويجوز أن يكون بدلا من يوم الدين، والفتح للبناء لكونه مضافا إلى الجملة، وقيل: هو منصوب بتقدير أعني. وقرأ ابن أبي عبلة برفع يوم على البدل من يوم الدين، وجملة: ذوقوا فتنتكم هي بتقدير القول، أي: يقال لهم ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد. وقال مجاهد:
حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة هذا الذي كنتم به تستعجلون من جملة ما هو محكي بالقول، أي: هذا ما كنتم تطلبون تعجيله استهزاء منكم، وقيل: هي بدل من فتنتكم إن المتقين في جنات وعيون لما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة، أي: هم في بساتين فيها عيون جارية لا يبلغ وصفها الواصفون آخذين ما آتاهم ربهم أي: قابلين ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة، وجملة إنهم كانوا قبل ذلك محسنين تعليل لما قبلها، أي: لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. ثم بين إحسانهم الذي وصفهم به فقال: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون الهجوع: النوم بالليل دون النهار، والمعنى: كانوا قليلا ما ينامون من الليل، و «ما» زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة، أي: كانوا قليلا من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه، ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت: